• ارسال
  • طبع

التصدي للعنف الجنسي كأسلوب من أساليب القتال

26-06-2008 مقابلة

اعتمد مجلس الأمن للأمم المتحدة في حزيران/يونيو قراراً جديدا يدعو الأطراف المشاركة في النزاعات إلى اتخاذ التدابير اللازمة من أجل وضع حد للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي المرتكب ضد المدنيين. وفي هذا الصدد، يتحدث السيد "جون ماري هينكيرت"، المستشار القانوني للجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن النساء والحرب، عن أهمية هذا القرار وآثاره المحتملة.

 
       
    ©ICRC/W. Lembryk/cd-e-00569      
   
جمهورية الكونغو الديمقراطيه. النساء من ضحايا العنف الجنسي في المستشفى العام في شابوندا.      
           
   
     
     
   
    Jean-Marie Henckaerts      
          ما مدى أهمية اعتماد هذا القرار في مجلس الأمن للأمم المتحدة؟  

إن القرار إشارة مهمة تبيّن أن الاغتصاب وأشكال العنف الأخرى غير مقبولة في حالات النزاع تماماً مثلما هو الحال في أوقات السلم، ويقرّ في الوقت ذاته بأن تلك الاعتداءات ضد المدنيين ليست نتاجاً تابعاً للحرب يستهدف أفراداً فحسب بل هي في الغالب أسلوب من أساليب الحرب التي تُتبع بطريقة منت ظمة بغية زعزعة المجتمعات المحلية وإحباط معنويات أبنائها وإهانتهم وحملهم على الفرار من بيوتهم. وكان الحديث عن العنف الجنسي، لفترة طويلة، من قبيل المحرمات فضلاً عن تردد السلطات المعنية في اتخاذ تدابير بشأنه. أما اليوم، فقد أكد مجلس الأمن بوضوح أن هذا النوع من العنف يمثل انتهاكاً خطيرا للمبادئ الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني الذي يحمي السكان في حالات النزاع المسلح. وهو بالتالي يُلزم الدول باتخاذ التدابير الضرورية.

وعلى المستوى الدولي، يكتسي هذا القرار أهمية بالغة لأنه يشكل اعترافاً من مجلس الأمن بأن الاعتداءات الجنسية المنتشرة والمنتظمة ضد المدنيين تهدد السلم والأمن الدوليين وتدخل بالتالي في نطاق اختصاصه. ويعني ذلك أن لمجلس الأمن القدرة على فرض عقوبات على الدول التي تحجم عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لمكافحة هذا العنف. كما أنه يعني أن مجلس الأمن يعترف بمسؤولياته تجاه كفالة امتثال الدول لأحكام القرار.

وعلى الصعيد العملي، ينص القرار على شروط تقيّد أطراف النزاع على عدة مستويات. إذْ يلزمها على سبيل المثال بضمان تلقي المقاتلين التدريب المناسب حتى يكونوا مطلعين بجميع أشكال العنف الجنسي المحظورة بتاتاً، كما أنه يشدد على ضرورة إجراء عمليات التحري للتعرف على الذين سبق أن ارتكبوا اعتداءات جنسية. ومن شأن هذه التدابير الملموسة أن تحول دون وقوع أعمال العنف الجنسي.

وأخيراً وليس آخرا، يجسد نص القرار اعترافاً بالمعاناة التي تكابدها ضحايا العنف الجنسي ويؤكد أنه لا ينبغي تحميل الضحايا مسؤولية هذا الاعتداء أو وصمهن بالعار أو تعريضهن للنبذ من عائلاتهن ومجتمعاتهن المحلية.

  ما هو موقف اللجنة الدولية من هذا القرار؟  

ترحب اللجنة الدولية بهذا القرار وبالإجابة التي يقدمها لمشكلة طالما طُرحت جانياً. فكل اعتداء جنسي يرتكب في أوقات النزاع هو جريمة حرب. واللجنة الدولية تدعو جميع أطراف النزاع إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع ارتكاب العنف الجنسي ضد المدنيين ومساعدة ضحايا تلك الجرائم. كما ينبغي محاكمة كل مرتكبي تلك الاعتداء ات.

وترحب اللجنة الدولية بدعوة مجلس الأمن جميع الدول إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تمنع جرائم العنف الجنسي في حالات النزاع ومحاكمة المشتبه في ارتكابهم لتلك الجرائم. وسيتوقف نجاح القرار على الإجراءات التي سيتخذها مجلس الأمن لكفالة متابعة تطبيقه.

  ما هو وقع العنف الجنسي على الضحايا؟  

قد يكون للاغتصاب آثار جسدية ونفسية وخيمة على صحة المرأة تتباين بين خطر الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الاتصال الجنسي والعقم مثلاً. وقد تتسبب أعمال العنف الجنسي أيضا في الإصابة بصدمات طويلة الأمد وحالات اكتئاب حادة.

ويكون لهذا العمل الإجرامي، إلى جانب المأساة التي يسببها على المستوى الفردي، انعكاسات اجتماعية واسعة النطاق تُعجز المرأة عن تدبير شأنها أو إعالة أسرتها. ولا يتأتّى ذلك من الصدمات النفسية أو الجروح الناجمة عن الاعتداء فحسب بل أيضا من خلال النبذ الذي تتعرض له المرأة سواء من الزوج أو الأسرة أو المجتمع المحلي. ويدرك المقاتلون تمام الإدراك بأنهم سيمزقون مجتمعاً كاملا عند الاعتداء على النساء في المجتمعات المحلية لما يشكل مثل هذا الاعتداء من إهانة من الناحية الثقافية وإحباط في المعنويات عند الأزواج.

  ما هي الإجراءات التي تتخذها اللجنة الدولية من أجل مساعدة ضحايا العنف الجنسي؟  

تسعى اللجنة الدولية أولاً إلى التأكد من أن السلطات والجماعات المسلحة تدرك التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. وترفع اللجنة الدولية تقارير إلى السلطات المعنية في حال ارتكبت انتهاكات ضد القانون الدولي الإنساني كجرائم العنف الجنسي.

ويمكن تقديم حالة جمهورية كونغو الديموقراطية كمثل عملي لتوضيح الأنشطة التي تؤديها اللجنة الدولية لحساب ضحايا الاغتصاب وغيره من جرائم العنف الجنسي الخطيرة. ففي شمال كيفو وجنوبه، تساهم في الوقاية من الإصابات بالكزاز وفيروس التهاب الكبد الوبائي باء، والأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي بما فيها الإيدز وفيروسه. وتزود المنظمة المستشفيات والمراكز الصحية بمجموعات من المستلزمات الخاصة بالعلاج في الفترة اللاحقة للاغتصاب، كما تنظم دورات لكفالة تدريب الموظفين على تقديم الأدوية. وعند اللزوم، تجري اللجنة الدولية أيضا الترتيبات اللازمة لضمان نقل ضحايا الاغتصاب إلى مستشفيات تدير وحدات جراحية خاصة أو مستشفيات مختصة في الصحة النفسية عندما يتعلق الأمر بصدمات نفسية حادة.

وقدمت اللجنة الدولية بصورة منتظمة في 2007 مساعدات إلى 6 مستشفيات و4 مراكز صحية في شمال كيفو وجنوبه. وتلقت 6 مستشفيات و8 مراكز صحية أخرى الدعم العاجل اللازم بما في ذلك مجموعات من أدوية العلاج الوقائي بعد التعرض للفيروس. وبالإضافة إلى ذلك، حضر 176 مهنياً دورات تدريبية نظمتها اللجنة الدولية حول كيفية التعامل مع ضحايا العنف الجنسي شملت التدريب على طريقة تقديم دواء العلاج الوقائي بعد التعرض للفيروس.

وتدعم اللجنة الدولية أيضا شبكة من مراكز الاستقبال وتقديم المشورة عن طريق تدريب المتطوعين على الاستماع إلى الضحايا وتوجيههن إلى الجهات المناسبة. وتزود اللجنة الدولية أيضا المراكز بالإمدادات الأساسية وتضطلع بكل أعمال الإصلاح التي تحتاج إليها تلك المراكز. كما أنها تساعد الجمعيات على مستوى المجتمع المحلي على إنجاز مشاريع اقتصادية صغيرة لتمكين ضحايا الاغتصاب من ممارسة نشاط مدر لدخل.

وفي 2007، تلقى 29 مركزاً للاستقبال في كيفو، يقع اثنان منها في مخيم " غوما " للنازحين، دعماً من اللجنة الدولية. وقد استقبلت تلك المراكز أكثر من 950 امرأة تعرضن للاغتصاب. وقدمت اللجنة الدولية أيضا أدوية أساسية إلى مركز خاص بالصحة العقلية في بوكافو يُعنى برعاية المصابين بصدمات نفسية نتيجة النزاع وكذلك ضحايا العنف الجنسي.

وأخيراً، تشجع اللجنة الدولية المجتمعات المحلية على قبول ضحايا الجرائم الجنسية ومساندتهن من خلال تنظيم لقاءات مع قادة المجتمعات المحلية والسلطات المحلية وزعماء القرى والقابلات والمعالجين التقليديين.