مقال

اليوم العالمي للمفقودين: صناديق الذكرى -بوابة لحديقة الذكريات

Belongings of a missing person

"صناديق الذكريات" هو نشاط أطلقته اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأهالي المفقودين على أثر النزاع في سوريا، في إطار برنامج المرافقة الذي يهدف إلى دعم أسر المفقودين نفسيًا واجتماعيًا. تولّى تنفيذه مجموعة من الأهالي الذين أصبحوا مرافقين بعد مشاركتهم في جلسات الدعم النفسي-الاجتماعي. وجاءت الفكرة كتعبير إنساني عميق لتكريم أحبائهم وإحياء ذكراهم، من خلال جمع مقتنيات شخصية مرتبطة بالمفقودين، تحمل بين طياتها قصصًا وذكريات عن حياتهم وأثرهم المستمر رغم عدم معرفة مصيرهم.

صندوق الذكريات
فرح رمضان/اللجنة الدولية

جُزءٌ من الرسالة مفقود… إلى متى؟

كمكعّب الروبيك، حين تثابر على حَلّه بطريقةٍ أو بأخرى، ظلّت عائلة عبد الرزاق تبحث عن خيطٍ يقودها إليه.

وُلد في لبنان، وتلاشى أثره في سوريا، لتتحوّل ذكراه من أخٍ مغامر، بطموحٍ يعاند به إخوته، إلى غائبٍ يُستحضر اسمه في كل ذكرى للحنان والشجاعة في وقت الأزمات.

في جلسات الدعم النفسيّ، صارت لمتعلقاته روحٌ تُهدّئ من روع أخيه عبد المنعم، فخفّ ارتجاف يده، وتمكّن أخيرًا من لمس نظارته، بل وارتداها، لعلّها في تلك اللحظة تُريه العالم كما رآه هو: مغامرات، وجرأة، وإصرار يلهمه أن يستمرّ في البحث عنه مهما طال الغياب.

أما زجاجة العطر، فقد رشّ منها ذات جلسةٍ على الحاضرين، فامتلأ المكان بعبق أخيه، ليذكّره أنّه مهما غاب، لا يزال حاضرًا في قلوب أحبّته.

لذكرى غياب 10 سنوات نظرة ورائحة وحضور.. لا يغيب وإن غاب.

صندوق الذكريات
فرح رمضان/اللجنة الدولية

المفتاح هنا… فمتى يعود الغائب؟

كالقدّاحة، أضاء "محمد حسن" حياة ثريا حين تزوجا، لتنتقل من بيت نشأت فيه يتيمة الأب والأم، إلى بيت احتواها بطمأنينة العائلة معه. لكن حين اندلع النزاع في سوريا، غاب "حسن" وانقطعت أخباره، وخَبَت معه الشعلة التي كانت تدفئها. وحتى البيت الذي أثّثه ركنًا ركنًا، تركته ثريا إلى الأردن، بعيدة عن البيت، ولكن ليس عن الذكرى.

عند النزوح، حملت ثريا متعلقات حسن قبل متعلقاتها، لتحتفظ بها كما هي، أملًا أن تلتقيه مجددًا. لعلّه إن عاد، يجد مقص الأظافر، وكريم الشعر، وعطره الذي ظل عالقًا حتى في أنفاسها. لعلّه إن عاد… وإن لم يعد، فحتى ذكراه تؤنسها.

صندوق الذكريات
فرح رمضان/اللجنة الدولية

في مكانٍ ما… يُنادي: "أمي! "

لكل حرفٍ قصة، وكانت الرسائل أملًا بأن تكتمل بلقاءٍ خارج قضبان مكان الاحتجاز.

ورغم الألم، كان في قلب وفاء طمأنينة لمعرفتها مكان ابنها علاء، قرة عينها وفؤادها. وفي كل زيارة إليه، يلتقيان لدقائق؛ يسلمها لوحة رسمها ببقايا القهوة والرمل، وأخرى رسالةً مكتوبة، وبانتهاء الزيارة يشتعل قلبها شوقًا للموعد القادم، بينما يقضي علاء وقته في صناعة الجمال وسط الجدران الصماء ليهديه لأمه في اللقاء المقبل.

ولكن… متى يحين ذلك اللقاء؟

اختفى علاء دون أثر، مثل كثيرين غيره، وبقي طيفه يضم قلب أمه؛ تارة في قميصٍ تتخيله يحتضن جسد ابنها، وتارة في خط يده، وتارة في ملمس خصلات شعره حين قصّته لأول مرة، وفقًا للتقليد العربي القديم حين يُقص شعر المولود ويُتبرع بمقدار وزنه مالًا للمحتاجين.

وسواء أكان طفلًا يختبئ في حضن أمه، أو مراهقًا يخطو إلى المنزل مناديًا: «أمي… أنتِ هون؟»، أو حتى شابًا حُرم من حريته، ما زالت وفاء تنتظره لتجيبه وتقول: «آه حبيبي، أنا هون»، لعله يعود وقتها للبيت مطمئنًا.

صندوق الذكريات
فرح رمضان/اللجنة الدولية

عقارب لم تبرح وقت الذكرى!

منذ اثني عشر عامًا، توقفت عقارب الزمن عند اللحظة التي اختفى فيها والد "شهد"، وكانت يومها في الخامسة من عمرها. والآن، وهي في السابعة عشرة، تستمع إلى أصالة وهي تشدو بأغنية "صندوق"، بينما تنساب بين أصابعها حبات المسبحة المعطّرة بعبق يده، كما تنساب حبات الرمل في ساعاتٍ مضت بدونه.

احتفظت شهد بصورٍ بدأت ألوانها تتلاشى تحت وطأة السنين، لكن على عكس الألوان، كلما مرّ الوقت على الذكرى، زادها ثباتًا، وزادها حبًا وشوقًا. وعلى عكس أخيها الأصغر، حظيت بفرصة أن ترى والدها، حتى لو كان ذلك لفترة وجيزة… لكنها كانت كافية لتجعلها تكتب له في كل مناسبة، كأنها تحادثه عن الغياب، وكأنه لم يختفِ يومًا.

كلما اشتاقت شهد لأبيها، كتبت له كما لو أنها تقول :"عُد"، وذاب صوتها مع صوت المنشد علي حُجيج وهو ينشد: "تعال"، على أمل أن تصغي روحه في مكانٍ ما إلى النداء… فيعود.