مقال

عندما تصبح الأمومة مسؤولية قبل أن تكون اختيارًا

Family of missing person due to the conflict in Syria
نديم عبد الصمد/اللجنة الدولية

لم يكن عيد الأم يومًا عاديًا بالنسبة لسميرة*. فقبل أن تختبر الأمومة بالمعنى التقليدي، عاشت هذا الدور مرات عديدة وبأشكال مختلفة. منذ الطفولة كانت أمًا لإخوتها الصغار، ثم لأطفال أخيها المتوفى في سوريا، ولاحقًا لأطفال زوجها. واليوم، تعيشه مع أطفالها.

"على الرغم من صغر سني، ما عرفت معنى العطاء قبل ما أعيش هذا الشعور".

قدِمت سميرة* إلى الأردن عام 2013، في وقت اشتدت فيه الحرب في سوريا، وتحديدًا في العاصمة دمشق حيث كانت تسكن. ومع تصاعد النزاع، انتقلت العائلة أولًا إلى مدينة درعا، قبل أن تضطر لاحقًا إلى اللجوء إلى الأردن والاستقرار في مخيم الزعتري. لكن في هذه المرة لم يكن إخوتها الصغار معها، رغم أنها كانت تعتبرهم مثل أطفالها.

ليس النزوح التحدي الأصعب في حياة سميرة*. فوفاة أخيها في سوريا وفقدان أخيها الآخر شكّل ندبة في حياتها كان من الصعب تخطيها.

 

حلمُ التعليم الذي أعاقه النزوح

رحلة سميرة* في التنقل من بلد إلى بلد ومن قرية إلى أخرى حملت العديد من خيبات الأمل، فاضطرت خلال تلك الفترة أن تترك حلمها في دراسة الصحافة واللغة العربية، لتلحق بحلمها الوحيد؛ الأمومة وذلك من خلال رعاية أطفال اخيها المتوفي لمدة تزيد عن ثماني سنوات.

ومع مرور الوقت، انتقلت سميرة* للعيش خارج مخيم الزعتري بحثًا عن مساحة أوسع لحياتها وحياة أطفال أخيها. فانتقلت إلى جنوب العاصمة عمّان.

عام 2017، عاد الأمل يطرق بابها مرة أخرى عندما سمعت عن برنامج اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي يتيح للأسر تسجيل حالات الأشخاص المفقودين نتيجة النزاع في سوريا. " أنا ما شفت بعيني... يمكن ما يكون توفى". تقول سميرة*

وعلى الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على فقدان أخيها، لا يزال الأمل حاضرًا في قلبها. فقد بدأت رحلة البحث عنه منذ اللحظة التي لم تعد ترى نفسها فيها أختًا فقط، بل أمًا أيضًا.

A family of missing person due to the conflict in Syria
نديم عبد الصمد/اللجنة الدولية
نديم عبد الصمد/اللجنة الدولية

أم في كل مراحل حياتها

ارتبطت الأمومة في حياة سميرة* منذ سنوات مبكرة. حتى عندما انتقلت إلى منزل زوجها في محافظة مادبا، وجدت نفسها مرة أخرى أمام ثلاثة أطفال بحاجة إلى من يرعاهم بعد أن تركتهم والدتهم. وهكذا أصبحت "مرت الأب" هي الأم.

وتقول بابتسامة "ولاد زوجي ما بنادوني غير يا ماما، لأنه جيت عليهم وهم صغار".

وبعد استقرارها في مادبا، رُزقت سميرة* أخيرًا بطفليها سمر* وخالد*. وتضيف بسعادة "عندي ولدين والثالث عالطريق".

ورغم أنها عاشت معنى الأمومة مرات عديدة من قبل، فإن وجود أطفالها أضاف شعورًا مختلفًا خبئت خلفه فقدانها دفء العائلة الكبيرة في اليوم الذي غادرت منزلها في دمشق لأول مرة.

A family of a missing person due to the conflict in Syria
نديم عبد الصمد/اللجنة الدولية
نديم عبد الصمد/اللجنة الدولية

الفقد ليس نهاية الطريق

مع ازدياد أفراد العائلة، ازدادت الاحتياجات أيضًا. لذلك بدأت سميرة* بمساندة زوجها في تأمين متطلبات المنزل. وبمساعدة والدة زوجها، التي علّمتها فنون الطهي، بدأت بإعداد وجبات منزلية وبيعها للعائلات المحيطة بها في محافظة مادبا.

ومن هذا المنطلق، وفي إطار دعمها للأسر التي لديها أقارب مفقودون، قدمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعمًا ماليًا لسميرة* ضمن برنامج مرافقة أسر الأشخاص المفقودين، الذي يهدف إلى مساعدة أهالي المفقودين على تأسيس مشاريعهم الصغيرة وتحسين سبل عيشهم. وكانت عائلة سميرة* واحدة من 898 عائلة استفادوا من هذا الدعم لغاية نهاية عام 2025. 

بفضل الدعم  الذي اشتمل على تدريب على إدارة الأعمال للعائلات المستفيدة، ومثابرة سميرة* في العمل، تمكنت من تأسيس مشروعها المنزلي الأول. وخلال ستة أشهر فقط، تضاعف دخلها أكثر من ثلاث مرات. فبعدما كانت تكسب نحو 50 دينارًا شهريًا من بيع الطعام، أصبحت تحقق ما بين 150 و200 دينار شهريًا من بيع منتجات الحليب والمكدوس وغيرها من المنتجات المنزلية. "قبل كنت احسب دخلي على البركة، الان أصبحت اكثر قدرة على إدارة حساباتي بنفسي".

A family of missing due to the conflict in Syria
نديم عبدالصمد/اللجنة الدولية
نديم عبدالصمد/اللجنة الدولية

الدعم المادي وحده لا يكفي

لم يكن الدعم المادي وحده الذي ساعد سميرة* على تخطي الظروف الصعبة التي مرت فيها، بل استفادت أيضا من خدمات الدعم النفسي الاجتماعي التي تقدمها  اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعائالات المفقودين، لضمان استقرارهم النفسي والعاطفي في ظل التحديات التي يمرّون بها.

وفي عيد الأم هذا العام، تشعر سميرة* بأنها أقوى. فهي اليوم أم لأطفالها، وأطفال زوجها، وأطفال أخيها.

لكن رغم كل ما تغير في حياتها، لا تزال سميرة* تنتظر خبرًا عن أخيها الذي فُقد في سوريا منذ أكثر من عشرة أعوام. وربما، كما تقول، عندما تعرف مصيره يومًا ما سيرتاح قلب الأم في داخلها.

A family of a missing person due to the conflict in Syria
نديم عبدالصمد/اللجنة الدولية
نديم عبدالصمد/اللجنة الدولية

*تم تغيير الأسماء حفاظاً على الخصوصية.