مقال

توقعات العمل الإنساني لعام 2026: عالم يرزح تحت وطأة الحرب

Palestinians walk in a street in Jabalia along the rubble of destroyed buildings as the displaced head to the northern areas of the Gaza Strip, on the third day of a ceasefire deal in the war between Israel and Hamas, on January 21, 2025.
Omar AL-QATTAA / AFP

أصبح النزاع المسلح سمةً بارزةً لعصرنا. ففي قارات العالم على اختلافها تتلاشى القواعد والضوابط التي يجب أن تحمي المدنيين في الحرب، أو تُتجاهل، أو تفرَّغ من معناها. وتنتشر النزاعات، ويطول أمدها، وتزداد تعقيدًا. والمدنيون - الفئة التي صيغ لأجل حمايتها القانون الدولي الإنساني - هم الأكثر تضررًا.

حتى بالنسبة لمن لا يعرفون الحرب إلا من خلال عناوين الأخبار، فإن نزاعات اليوم تُشكّل مستقبلًا سيؤثر عليهم. إن تآكل قواعد الحرب لا يقتصر على ساحات المعارك البعيدة، بل يهدد الاستقرار والأمن والقيم التي تُشكّل أساس مجتمعاتنا وحياتنا، أينما كنّا في العالم.

إذا كان ما نشهده في غزة وشرق الكونغو والسودان وأوكرانيا هو مستقبل الحرب، فعلينا جميعًا أن نشعر بقلق بالغ، لأنه سيزعزع أركان إنسانيتنا.

بيير كراهنبول المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر

"توقعات العمل الإنساني لعام 2026" منشور أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية)، يُرافق نداءاتنا العالمية لعام 2026. ويُقدّم التقرير تحليلًا استشرافيًا للمخاطر الإنسانية الناشئة، استنادًا إلى ملاحظات واقعية من عمليات اضطلعت بها منظمتنا حول العالم. ويهدف التقرير إلى إطلاع الحكومات والجهات المانحة وصنّاع القرار على الطبيعة المتغيرة للنزاعات المسلحة، والآثار الإنسانية الناجمة عنها على المدنيين، والأولويات اللازمة للاستجابة الفعّالة ومنع المزيد من المعاناة.

نستند في هذا التقرير إلى خبرتنا في أكثر من 100 نزاع مسلح لنحذر من أربعة اتجاهات متداخلة تدفع العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار والمعاناة الإنسانية. ويُبرز التقرير مفارقة صارخة: فمع تزايد الاحتياجات بوتيرة متسارعة، تتعرض الموارد المتاحة للعمل الإنساني القائم على المبادئ لضغوط متزايدة.

الحرب بلا حدود تعني معاناة لا حد لها.

ميريانا سبولياريتش رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر
Family in home destroyed by missile attack in Akkar, on the southern border of Lebanon.
Mohammad Yassine/ICRC
Mohammad Yassine/ICRC

عائلة في منزل دمره هجوم صاروخي في عكار، على الحدود الشمالية للبنان.

الواقع اليومي للعيش تحت وطأة الحرب

يتزايد عدد النزاعات المسلحة باستمرار، إذ وصل إلى حوالي 130 نزاعًا في عام 2024، أي أكثر من ضعف العدد قبل 15 عامًا فحسب. وقد استمر أكثر من 20 نزاعًا لأكثر من عقدين، تاركًا أجيالًا بأكملها لم تعرف سوى الحرب.

تمتد خطوط المواجهة اليوم عبر العالمين المادي والرقمي. ويساهم استخدام الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية في تسريع وتيرة الأعمال العدائية وتحويل سيرها، وغالبًا ما تكون لها آثار مدمرة على المدنيين. ويعيش أكثر من 204 ملايين شخص الآن في مناطق تخضع لسيطرة كاملة أو متنازع عليها من جماعات مسلحة، بعيدًا عن يد مؤسسات الدولة وبلا خدمات أساسية.

والعواقب وخيمة:

• تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه.

• انهيار سبل كسب العيش، ما يؤدي إلى نزوح الملايين.

• تشتت شمل العائلات: سجلت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر 284 ألف شخص في عداد المفقودين، بزيادة قدرها 70% خلال عام واحد فقط.

وتبرِز قصص الأفراد فداحة الخسارة:

"كانت لدينا خطط لعائلتنا لمئة عام قادمة. ولم يخطر ببالنا قط أن تندلع حرب."

سناء سوريا

"الحياة في المخيم قاسية، لكن ليس لدينا مأوى نعود إليه. احترق منزلي. وفقدت كل ما أملك."

سمية تشاد
Grace, a 10 year old boy who was shot in the head (by M23 rebels), is cared for after surgery by his brother James.
Hugh Kinsella Cunningham/ICRC
Hugh Kinsella Cunningham/ICRC

غريس، صبي يبلغ من العمر عشر سنوات أصيب برصاصة في رأسه، يتلقى الرعاية من شقيقه جيمس بعد إجراء عملية جراحية. لم يتمكن غريس من الكلام منذ إصابته.

الاتجاه الأول: تجريد البشر من إنسانيتهم يتفشى في جميع الجبهات

في العديد من النزاعات، يتآكل الشعور المشترك بالإنسانية الذي يسهم في كبح العنف. والخطاب الذي يجرد البشر من إنسانيتهم - الذي غالبًا ما يردده القادة السياسيون أو يتضخم عبر وسائل التواصل الاجتماعي - يغذي الخوف، ويستقطب المجتمعات المحلية، ويبرر الانتهاكات.

لهذا التحول عواقب وخيمة؛ فعندما تُجرد الكلمات أو السياسات الناس من كرامتهم، يرتفع مستوى العنف. يُنظر إلى المدنيين خطأً على أنهم يشكلون تهديدًا، ويُحرم المحتجزون من الحماية القانونية، ويواجه العاملون في المجال الإنساني الشك أو العداء.

الخوف يقتلنا أكثر من نقص الغذاء. نحن نموت من الخوف والقلق اللذين نشعر بهما.

 حنين، مدينة غزة

The impact of the earthquake in Jableh city, Latakia.
Omar Sanadiki/AP
Omar Sanadiki/AP

أثر الزلزال على مدينة جبلة، اللاذقية.

الاتجاه الثاني: العمل الإنساني القائم على المبادئ يواجه تهديدات

يتعرض العاملون في المجالين الإنساني والطبي لاستهداف متزايد، رغم الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي. ففي عام 2024 وحده:

• سُجِّل 338 هجومًا على عاملين في المجال الإنساني.

• استهدف أكثر من 600 هجوم مرافق صحية وعاملين فيها بين عامي 2023 و2024.

فقد 25 متطوعًا وموظفًا من الصليب الأحمر والهلال الأحمر أرواحهم في عام 2025.

يتعرض العمل الإنساني المحايد وغير المتحيز للتسييس أو الاستغلال أو عرقلة عملياته. ولا يزال الوصول إلى المحتاجين مقيَّدًا بشدة في أماكن مثل غزة والفاشر، ما يحرم المدنيين من المساعدات الأساسية.

 

لا تزال الرصاصات الطائشة تشكل تهديدًا حقيقيًا. عثرنا على رصاصة على أرضية غرفة العمليات.

ريكي هايز، أخصائية علاج طبيعي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، غزة

الاتجاه الثالث: النصر بأي ثمن وتراجع المسؤولية العالمية

يتراجع احترام القانون الدولي الإنساني؛ ففي العديد من النزاعات، تُعطى الأولوية للأهداف العسكرية على حساب الالتزام بحماية أرواح المدنيين.

تعاود القوة العسكرية الظهور، أما التعاون متعدد الأطراف فيواجه خطرًا. بلغ الإنفاق الدفاعي العالمي 2.7 تريليون دولار أمريكي في عام 2024، بينما لم تتجاوز نداءات منظومة العمل الإنساني 50 مليار دولار أمريكي، وهو مبلغ لم يُجمع بعد. يشير هذا التفاوت إلى عالم يستعد للحرب لا للسلام.

"حلّقت طائرة بدون طيار فوق منزلنا وألحقت أضرارًا بسقفه... كاد زوجي أن يُقتل بإحدى الشظايا."

نينا خاركوف، أوكرانيا

"تسمع انفجارات لم تسمعها من قبل. تُدمّر كل شيء، الناس والحيوانات."

سودجي إسماعيل إبراهيم الصومال
Civilians wait for a food distribution at the Lac Vert displacement camp.
Hugh Kinsella Cunningham/ICRC
Hugh Kinsella Cunningham/ICRC

مدنيون ينتظرون توزيع الطعام في مخيم "لاك فير" للنازحين.

الاتجاه الرابع: تزايد الاحتياجات الإنسانية واستنزاف الموارد

تتصاعد الاحتياجات في ظل زيادة عدم اليقين بشأن تمويل العمل الإنساني المحايد وغير المتحيز. من دون دعم مستدام، يواجه ملايين الأشخاص خطر فقدان الخدمات الأساسية والحماية والمساعدة المنقذة للأرواح.

وهذه الفجوة المتزايدة تتعارض جوهريًا مع فداحة المعاناة الإنسانية التي نشهدها في نزاعات اليوم.

خمس دعوات للعمل دفاعًا عن الإنسانية

للدول دور حاسم في منع العالم من الانزلاق أكثر في حرب بلا ضوابط وحدود. تحث اللجنة الدولية للصليب الأحمر الحكومات على التحرك الآن عن طريق:

1.دعم العمل الإنساني القائم على المبادئ

تقديم دعم يمكن التنبؤ به للمساعدات الإنسانية المحايدة والمستقلة وغير المتحيزة حتى تتمكن المساعدات من مواكبة الاحتياجات المتزايدة.

2. دعم القانون الدولي الإنساني وحث الحلفاء على دعمه

يجب أن يظل احترام القانون الدولي الإنساني عالميًا. يجب على الدول الحيلولة دون وقوع الانتهاكات، سواء في سلوكها أو بين من تدعمهم.

3. مناهضة تجريد البشر من إنسانيتهم

رفض السرديات الضارة والمعلومات المغلوطة والخطابات التي تعمّق المعاناة وتطبِّع الوحشية.

4. حماية العاملين في المجال الإنساني والطواقم الطبية

الاعتداءات على عمال الإغاثة هي هجمات على الإنسانية. يجب على الدول ضمان قدرة هؤلاء العاملين على أداء واجبهم في ظل تمتعهم بالسلامة والأمن والوصول إلى المحتاجين.

5. العمل من أجل السلام واستعادة التضامن العالمي

يمكن أن يخفف العمل الإنساني المعاناة، لكن الحلول السياسية وحدها هي الكفيلة بإنهاء المعاناة. يجب على الدول الاستثمار في الدبلوماسية ومنع النزاعات وضبط النفس.

ما تختاره الدول الآن سيُحدد ما إذا كان عالمنا سيستسلم للحرب أم يستعيد إنسانيته.

ميريانا سبولياريتش رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر
Iyad al-Wahidi returns with his sons to find his home destroyed in Gaza.
Ahmed Al Waheidi/ICRC
Ahmed Al Waheidi/ICRC

إياد الواحدي يعود مع أبنائه فيجد منزله مُدمّراً في غزة.

الخيار أمامنا

مع تزايد الحروب وتَجاوُز تكلفة الدمار قدرة أي مجتمع على إعادة البناء، ليس بوسع العالم أن يتحمل اللامبالاة. إن الالتزام بقواعد الحرب ليس مجرد التزام قانوني، بل هو ضمانة لإنسانيتنا المشتركة.

نستطيع معًا أن نختار ضبط النفس بدلًا من التصعيد، والكرامة بدلًا من تجريد البشر من إنسانيتهم، والإنسانية بدلًا من العنف الجامح.

نداء اللجنة الدولية للصليب الأحمر 2026: موجز

2025_Appeal_2026.pdf
ملف PDF
1.03 MB

توقعات العمل الإنساني 2026

LR_4909_002_ICRC_Humanitarian_Outlook_2026_A_World_Succumbing_to_War.pdf
ملف PDF
847.35 KB