مقال

الوقوف في وجه الغياب: "أقسى عشر سنوات مؤلمة عشتها في حياتي، ولا زلت أتجرع مرارة الألم"

Arwaa stands in the doorway
ICRC

في حيٍّ صغير مكتظٍّ بالبيوت في مدينة عدن في اليمن يحتضن جدران منزل أروى المتواضع صمتًا امتد عشر سنوات. داخل هذا البيت تعيش أروى، أمٌّ لطفلين، وإلى جانبهما تعتني بخمسةٍ من أبناء زوجها المفقود. لأكثر من عقد من الزمان، وأروى تكابد ألمًا لا يزول: غياب الرجل الذي بنت معه حياتها وأحلامها.   

تقول بصوتٍ خافتٍ وهي تشبّك يديها في حجرها: "ما زلت أتذكر اليوم الذي لم يعد فيه زوجي إلى البيت، في البداية، ظننت أنه ثمة أمر حدث، وأنه مجرد تأخّر عادي، ولكن مع مرور الأيام والأشهر والسنوات، بات ذلك أمرًا لا يُحتمل، وكان أطفالي يسألون باستمرار: متى سيعود بابا؟ لكنني لم أكن أجد أي إجابة عن أسئلتهمسئلتهم ". 

كانت تعيش أروى حياة عادية قبل اختفاء زوجها، أنهت دراستها الثانوية وكانت تحلم بالالتحاق بالجامعة، وكانت ترسم في مخيلتها مستقبلًا تزهر فيه عائلتها وتواصل فيه تعليمها. كانت حياتها عبارة عن روتين عادي يبدأ برعاية أفراد عائلتها، وإعداد الطعام لهم، وانتظار عودة زوجها من العمل، تلك الحياة العادية انتهت في لحظة غياب واحدة. 

فجأةً، لم تعد أروى مجرد زوجة وأمّ، بل صارت المعيلة الوحيدة لعائلتها، وصاحبة القرار، والكتف الذي يستند إليه الجميع. أوضحت قائلة: "بدأت أشعر أنّ الحمل أكبر مني، شيئًا لا أستطيع حمله بمفردي."

كانت السنوات التي تلت ذلك مليئة بالصعاب، كانت نادرًا ما تجد ما يكفيها من المال، واضطر بعض أطفالها لترك الدراسة. لكن أروى حاربت بكل ما تملك لتعيدهم إلى الدراسة، مصممةً ألا يضيع مستقبلهم كما ضاع مستقبلها. قالت وعيناها تملؤها الدموع "كانت العشر السنوات الماضية هي أقسى عشر سنوات عشتها في حياتي" ولم تقف المآسي عند حدّ غياب الزوج وهي تحاول استعادة استقرار حياتها من جديد، فقد حلّت على حياتها أحزان جديدة: وفاة ابن زوجها الأكبر، ورحيل شقيق زوجها، ومرض والدة زوجها التي أُصيبت بجلطة جعلتها غير قادرة على تذكر معظم الأشياء باستثناء أمرٍ واحدٍ يتردد على لسانها في لحظات من الوعي القليلة: "أين ابني؟".  

بالنسبة لأروى، كانت وقع هذه الكلمات عليها مثل طعنات بسكين، وتردف أروى قائلة: "أحاول مساعدة أطفالي في تجاوز غياب والدهم، ولكنني أنا نفسي ما زلت عالقة في ذات الألم حتى الآن، وفي بعض الأيام، أتساءل كيف أستطيع مواصلة العيش في هذه الحياة." 

أصبح بيت أروى هشًا، لكنها تحافظ على تماسكه بقوة وهدوء، فهي تُعدّ الطعام، وتنظف البيت، وتهتم بصغارها، وتواسي والدة زوجها المريضة. ورغم صلابتها، ينهشها شعور عميق بالوحدة، وتعترف قائلة: "ليس لديّ أحد أستند عليه أو آوي إليه، فأنا أحمل كل هذا العبء بمفردي". 

ومع ذلك، لا يزال هناك بصيص أمل حين يحقق أبناؤها نجاحًا صغيرًا، أو يُنهون صفًا دراسيًا، أو يتفوّقون في شيءٍ ما، يجعلها تشعر بفخرٍ يضيء قلبها ولو للحظة، وترى في نجاحاتهم لمحات من المستقبل الذي رسَمَتهُ يومًا.

ويحمل صوتها رسالة لأولئك الذين يشاطرونها الصمت ذاته: "لستم وحدكم، لا تيأسوا، استمروا ولا تكلوا من البحث عن ذويكم، اسألوا عنهم، ولا تفقدوا الأمل في طرق الأبواب التي توصلكم إلى إجابات عن تساؤلاتكم، فالبحث عنهم ليس خيارًا، بل واجبًا، وهو حقٌ لهم".  

ثم تُضيف بصوت يكاد يكون همسًا: "ليس وحده المفقود من يتجرع مرارة الألم، نحن أيضًا نتألم، نحن الذين نتجرع أنا وصغاري ألم الغياب كل يوم، نحاول أن نبقى على قيد الحياة وأن نظل أقوياء". 

قصة أروى ليست سوى قصة واحدة من آلاف القصص في اليمن التي تعيش خلفها عائلات عالقة بين الحزن والأمل، وتذكر قصتها جميع العائلات التي فقدت ذويها، بثبات، بما لا ينبغي نسيانه: لا تتوقفوا عن البحث، ولا تفقدوا الأمل لأن الأمل هو آخر شيء نتمسك به ولا يجب أن نتخلى عنه".  

جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) للبحث عن المفقودين في اليمن

تعيش آلاف العائلات في جميع أنحاء اليمن في ظل معاناة عدم معرفة مصير ذويها، وتعمل اللجنة الدولية في اليمن على مساعدة عائلات المفقودين من خلال دعم آليات لكشف مصير الأشخاص المفقودين ومعرفة أماكن وجودهم.  

ولتحقيق هذه الغاية، تسجل اللجنة الدولية أسماء الأشخاص المفقودين عبر عائلاتهم، وتبحث عنهم في جميع الأماكن المحتملة وجودهم فيها، وتتفاوض مع السلطات والجماعات المسلحة، بالإضافة إلى التنسيق مع الأطراف المعنية الأخرى للكشف عن مصير الأشخاص المفقودين. وبموازاة البحث، تظل اللجنة الدولية على تواصل مستمر مع عائلات المفقودين، وترافقهم في رحلة البحث عنهم، وتقدم لهم الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، كلما أمكن ذلك، لتخفيف وطأة عدم معرفة مصير ذويها.