مقال

اليوم العالمي للصحة النفسية.. قطعٌ فنيةٌ ورسائلٌ تتجاوز حدود المكان

WMHD 2026
نديم عبد الصمد

تحت عنوان "الاستماع إلى التجارب المُعاشة: أصوات حقيقية، وتغيير حقيقي"، يحييي العالم هذا العام اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من تشرين الأول/أكتوبر .

ولأن دعم الفئات المتضررة من النزاعات المسلحة والاستجابة لاحتياجاتها يشكّلان أساسًا في عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر أحيت (اللجنة الدولية) بالأردن اليوم العالمي للمفقودين تحت عنوان “رحلة أهالي المفقودين “، وذلك بناءً على سلسلة من المشاورات التي عقدناها مع عائلات الأشخاص المفقودين على أثر النزاع في سوريا والمقيمة في الأردن.

وكانت الرسالة التي تكررت خلال هذه المشاورات واضحة: يريد الأهالي أن يشعر العالم بوجعهم والتحديات التي يواجهونها نتيجة اختفاء أحبائهم، أرادوا أن ينقلوا تجاربهم من الكلمات إلى تجربة حسيّة حقيقية، تجسّد المحطات التي مروا بها في حياتهم، تمامًا مثل محطات القطار.

كلمة "القطار"  كانت كافية لفريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الأردن ليقرر طريقة ومكان إحياء هذا اليوم، الذي اعتدنا إحياءه كل عام، لكن هذه المرة في محطةِ قطار.

The journey of families of missing persons
محمد شنيكات
محمد شنيكات

انقسمت عربات القطار إلى ثلاث مراحل تجسّد رحلة عائلات المفقودين، بدءًا من أن يصبح فرد من أفراد العائلة في عداد المفقودين  والبحث عن إجابات، مرورًا بالهجرة والدخول في مرحلة عدم اليقين، وصولًا إلى الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يخلفها الفقدان المبهم.

أما المحطة الرابعة، فلا تأتي كنهاية للرحلة، بل كبداية جديدة؛ فبعد طول الانتظار، يصبح للصمت صوت، وللحكايات مساحة تروى. لنقترب أكثر من تجارب الأهالي، ونصغي إلى ما تركه الفقد في ذاكرتهم وحياتهم، ونمنح قصصهم مكانًا لتسمع. ومن هذه المساحة، نلتقي بهم لا بوصفهم عائلات تنتظر، بل أصواتًا حيّة تجسّد صمودهم، وتحمل أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات كي تظل قضية المفقودين حاضرةً في الذاكرة والوعي.

.في هذه المرحلة ابتكرت اللجنة الدولية وبالتعاون مع الأهالي طٌرقًا وأنشطة مختلفة للإبقاء على ذكرى المفقودين، وذلك ضمن برنامج المرافقة الذي يهدف إلى بهدف دعم أسر المفقودين نفسيًا واجتماعيًا. حيث تولّى تنفيذ هذه الأنشطة مجموعة من الأهالي الذين أصبحوا مرافقين  داعمين لبعضهم البعض بعد مشاركتهم في جلسات الدعم النفسي الاجتماعي. 

فاجتمع الأهالي على مدار أربعة أشهر لصنع مجموعة من القطع الفنية، تعبّر كل منها عن حالة أو شعور أو رسالة يريد أن ينقلها الأهالي من حيّز الشعور إلى شيئ ملموس،  يمكنهم رؤيته ومشاركته مع العالم، تخليدًا لذكرى أحبائهم. 

هذه المرحلة ليست لصنع القطع الفنيّة فحسب، بل أيضا مساحة أمان يتشاركها ا أفراد العائلات مع بعضهم البعض. فيتشاركون الطعام، والقصص، وطُرُق التكيف مع ما يمرّون فيه. تــراهم يُناضلون، ويُنظمون صفوفهم، ويرفضون أن تطويهم صفحات النسيان.

لم تتخذ هذه المحطة مكانًا في عربات القطار المتحركة، بل جاءت ثابتة على الأرض، في محاكاةٍ للحالة التي يعيشها الأهالي، وهم ثابتون في أماكنهم، عالقون في انتظار إجابات.

قطع فنية -محاكاة لقوة الصمود وألم الانتظار

 الساعة الشمسية 

تم نحت هذا الحجر تكريما للرجال المفقودين ولكنهم يظلون حاضرين بعمق في حياة أولئك الذين يحبونهم.

وقد شُكّل العمل على هيئة ساعة رملية ومحاطة بمراحل القمر، ليعكس تجربة الفقدان المعلّق بين اليقين والغياب؛ حيث لا يُقاس مرور الوقت بالأيام والأشهر فحسب، بل أيضًا بالحب المستمر، والأمل، والأسئلة التي لم تجد إجابة.                                                                                                               

هذا ليس نصبا تذكاريا للماضي بل شهادة على رابطة مستمرة، على التذكر، والانتظار، وحب شخص لاتزال قصته لم تكتب نهايتها بعد.  

Sundial
محمد شنيكات
محمد شنيكات
Families of missing persons view the artwork they created during their presence at “The Journey” exhibition.
نديم عبدالصمد
نديم عبدالصمد

وجوه الانتظار

هذه اللوحة ليست صورة لامرأة واحدة، بل لآلاف النساء اللاتي توقفت حياتهن بسبب اختفاء أحد أحبائهن. 

في هذا العمل، يتحول الحجر إلى ذاكرة. ينقسم الوجه إلى مساحتين؛ نصفٌ ما زال يبحث، ونصفٌ تعلّم أن يعيش مع الغياب. تتجاور الخطوط الهندسية مع الدوائر المتكررة لتجسد الأيام المتشابهة، فيما ترمز الساعة الرملية إلى الزمن الذي يستمر في العبور، بينما يبقى انتظار معرفة المصير ثابتاً لا يتحرك.

العين المفتوحة ليست عين مراقبة، بل عين لا تستطيع أن تغفو قبل أن تعرف الحقيقة، أما الألوان الهادئة والحجر الطبيعي، فيحملان ثقل الصمت، وصلابة الذاكرة، وإصرار الأمل رغم امتداد سنوات الغياب

Faces of Waiting
محمد شنيكات
محمد شنيكات

الأمل رغم الغياب

وجدت النساء مساحة آمنة لمشاركة تجاربهن، وإيجاد مجتمع قائم على الدعم المتبادل.

يُظهر العمل الفني نبتة صغيرة تنمو من بين الصخور، لتصبح رمزًا للحياة والأمل اللذين ينبثقان رغم الصعوبات، بينما يرمز اللون الأخضر الزيتوني إلى النمو والقوة على الاستمرار.

يجسّد هذا العمل الفني كيف أن التعافي لا يعني النسيان، بل يعني السماح للحياة بالاستمرار، مع بقاء من رحلوا حاضرين في الذاكرة.

Hope Despite Absence
محمد شنيكات
محمد شنيكات

ماندالا / كوفية

عند مداخل العديد من المنازل، لا تزال كوفية الأب المفقود معلّقة.
معلّقة بين العودة والذكرى، تنتظر وكأن صاحبها قد يدخل من الباب في أي لحظة، ويلفّها من جديد حول كتفيه. إنها قطعة عادية من القماش، غيّرها الغياب؛ فلم تعد مجرد قطعة قماش، بل أصبحت شاهدًا على الانتظار، وحافظةً للأمل، وتذكيرًا بأن الحب يستمر حتى حين يغيب اليقين.

في هذا العمل،   قامت بنات الآباء المفقودين بإعادة إنشاء هذا الثوب المألوف، محوّلات إياها إلى تكريم وشهادة في آنٍ واحد.

«“سأجعلك فخوراً.”

“أهدي نجاحي لك.”

“سأبقى قويا من أجلك.”

“أعيش على أمل مقابلتك يومًا ما.”

هذه ليست رسائل وداع، بل وعود بأن الحب يدوم، وأن الأمل يبقى حيًا.

Mandala
محمد شنيكات
محمد شنيكات

القميص المطرّز بالخرز

تم تصميم هذا القميص بشكل جماعي من قِبل أخوات وزوجات الأشخاص المفقودين، وهو بمثابة حوار حيّ ومستمر مع أولئك الذين لا يزال غيابهم دون حل.

على ظهر القميص، خُطّت رسائل إلى المفقودين بالخرز، منها:

 -أنت دائمًا في بالي  

-عد، أفتقدك 

-أطفالنا بخير 

-أستودعك الله 

-الفراق صعب، وسأواصل الاعتناء بالشجرة 

هي كلمات تُقال بهدوء في المنزل، وتحملها النساء في صمت لسنوات، وأصبحت الآن مرئية ومجسّدة على القميص.


يكرم هذا العمل المفقودين ويرفض تقليص غيابهم. إنه يتحدث عن حياة لا تزال مهمة، وعن الحب الذي يستمر دون يقين، وعن الشجاعة اللازمة للعيش معلقًا بين الأمل والحزن.

Beaded shirt
محمد شنيكات
محمد شنيكات

المكرمية

كل خيط في هذا العمل مرّ بين أيدي أمهاتٍ وأخواتٍ يعشن مع غياب شخصٍ عزيز عليهن. نُسجت الخيوط ببطءٍ وعناية، حاملةً ما لا يمكن التخلّي عنه: الحب، والانتظار، والذكرى، والإصرار الهادئ على إبقاء حضور الغائب حيًّا في نسيج الحياة اليومية.

تشير الضفائر إلى مرور الوقت، وتتشابك الخيوط وتتقاطع مع بعضها البعض، مما يعكس التوترالعاطفي الناتج عن التمسّك بالأمل وسط عالمٍ كثيرًا ما يدعو إلى التخلّي والمضيّ قدمًا. وفي هذه اللحظات، تتحدّث المشاركات عن لجوئهن إلى الدعاء، وإلى بعضهن بعضًا، بحثًا عن سبلٍ تمنحهن القدرة على الاستمرار في مواجهة انتظارٍ لا يبدو له نهاية.

معًا، تشكّل هذه الأوراق فعلًا جماعيًا للتذكّر؛ فعلًا رقيقًا لكنه راسخ، معلّقًا بين الحزن والصمود، وبين الغياب واستمرار المحبة.

Macrame
محمد شنيكات
محمد شنيكات

من خلال برنامج المرافقة متعدد التخصصات، تدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) الأسر السورية المقيمة في الأردن، والتي فُقد أحباؤها في سياق النزاع في سوريا. ويهدف جانب الدعم النفسي والاجتماعي من البرنامج، الذي يُقدَّم من خلال مجموعات الدعم وغيرها من الأنشطة النفسية والاجتماعية وأنشطة تخليد الذكرى — ويقود بعض هذه الأنشطة أقرانٌ من ذوي التجارب المماثلة بشكل أساسي إلى الحد من العزلة والضيق النفسي المرتبطين بفقدان أحد الأحباء، وتعزيز قدرات التكيّف، مع تقوية شبكة الدعم لدى الأسر من خلال التفاعل مع أشخاص آخرين مرّوا بتجارب مماثلة.

ومنذ عام 2020، استفادت أكثر من 693 أسرة من هذه الأنشطة.

WMHD
محمد شنيكات
محمد شنيكات
اليوم العالمي للصحة النفسية
نديم عبدالصمد
نديم عبدالصمد