اليمن: الأثر الإنساني للجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 2025، عامٌ في مواجهة الأزمات المتفاقمة
ظل اليمن خلال عام 2025 يتصدر قائمة الأزمات الإنسانية الأكثر حِدّة في العالم ورابع أكبر عمليات للجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) على الصعيد العالمي.
وعوضًا عن تراجع وتيرة النزاع، شهد النزاع تصعيدًا في حدة الغارات الجوية، مما أسفر عن إنهاك الخدمات العامة بشكل بالغ وتعطيل سبل العيش؛ لتبقى المجتمعات المحلية حاملةً الندوب العميقة لحربٍ فتكت بحياة الملايين ومزقت أوصال استقرارهم. وعلى امتداد هذا العام المثقل بالمعاناة، سعت اللجنة الدولية -جنبًا إلى جنب مع جمعية الهلال الأحمر اليمني- إلى تقديم المساعدات المنقذة للحياة، والعمل على صون الكرامة الإنسانية وبث روح الأمل في أكثر المناطق احتياجًا وأشد الظروف قسوة.
إنقاذ الأرواح وصون الكرامة
كثّفت اللجنة الدولية دعمها للمرافق الصحية في جميع أنحاء اليمن لضمان حصول عشرات الآلاف من السكان على الرعاية الطبية اللازمة رغم الضغوط الهائلة التي يرزح تحت وطأتها النظام الصحي، وقدمت الفرق الميدانية الإمدادات الحيوية والتدريبات الضرورية للمستشفيات المحلية ومراكز الرعاية الصحية الأولية، التي تكافح لمواصلة تقديم خدماتها في ظل نقصٍ حاد في الكوادر والمعدات. وعلى مدار العام، دأبت المنظمة على نشر فرق جراحية من خارج البلاد لتعزيز الكفاءات والقدرات الجراحية، ودعم العمليات الجراحية في عدة مستشفيات في مختلف أرجاء البلاد.
وحينما استهدف هجومٌ دامٍ سجن صعدة في شهر أبريل مُخلفًا عشرات القتلى والجرحى في صفوف المهاجرين المحتجزين، كانت اللجنة الدولية وشريكتها جمعية الهلال الأحمر اليمني من أوائل المستجيبين؛ من خلال إسهامها في إجلاء الجرحى، وضمان التعامل الكريم مع الجثامين، ووجّهتا نداءً بضرورة تعزيز حماية المدنيين العالقين في بؤر النزاع، مع حثّ كافة الأطراف على احترام القانون الدولي الإنساني. وفي السجن ذاته، أكملت اللجنة الدولية في منتصف عام 2025 أعمال ترميم عيادة طبية جديدة وتجهيزها، مما مكنها من تقديم خدمات الرعاية الطبية الحيوية لكافة المحتجزين.
لمّ شمل العائلات.. بارقة أمل متجددة
شهد عام 2025 تقدمًا ملموسًا في مداواة واحد من أعمق جراح الحرب أثرًا؛ وهو ملف لمّ شمل العائلات التي شتتها النزاع، فبعد حوارٍ مستمرٍ مع كافة الأطراف، تكلّلت الجهود بالتوصل إلى اتفاقٍ يقضي بالإفراج من جانب واحد عن أكثر من مئة محتجز وإعادتهم إلى ديارهم في يناير 2025، في خطوةٍ تهدف لإعادة البهجة إلى قلوب عائلاتٍ عانت مرارة الانتظار ولوعة الفراق لسنوات طوال.
في ديسمبر، واستكمالًا للالتزامات المنبثقة عن اتفاق ستوكهولم الموقع في عام 2018، وتأسيسًا على نجاح عمليات إطلاق سراح المحتجزين السابقة في عامي 2020 و2023، توصلت أطراف النزاع إلى اتفاقٍ مبدئي في مسقط لإطلاق جولة جديدة من عمليات تبادل المحتجزين التي يُتوقع أن تكون الأكبر من نوعها منذ اندلاع النزاع.
في هذا الصدد، تبدي اللجنة الدولية استعدادًا تامًا للاضطلاع بدورها كاملًا كوسيطٍ محايدٍ، مؤكدةً جاهزيتها لتنفيذ عمليات لمّ شمل آمنة والإشراف عليها بما يعيد لمّ شمل العائلات التي مزقها النزاع لسنوات.
وتزامنًا مع هذه الجهود، وقّعت كافة الأطراف على "إعلان بشأن الإدارة الكريمة للجثامين"؛ إذ ستعمل اللجنة الدولية ضمن هذا الإطار لتسهيل نقل الجثامين والرفات البشرية في خطوط المواجهة، مما يمكن العائلات المكلومة من إقامة العزاء المناسب وإنهاء معاناتها.
المياه والإصحاح البيئي ودعم المجتمعات
تسببت التحديات الاقتصادية في تفاقم الأزمة الإنسانية في عام 2025، إذ أدى تضخم أسعار الغذاء والوقود إلى جانب هشاشة الخدمات العامة إلى دفع العائلات نحو تبني "آليات تكيف سلبية" قاسية؛ شملت بيع ممتلكاتها لإعالة ذويها أو تأمين الحد الأدنى من الرعاية الصحية الأساسية. ووفقًا لتقرير كتلة الأمن الغذائي والزراعة، فقد بلغ عدد الذين وصلوا إلى المرحلة الثالثة من "التصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي الحاد" أو ما يتجاوزها نحو 18.1 مليون شخص بنهاية عام 2025، مع استمرار ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة لمستويات مقلقة للغاية.
وفي ظل هذه التحديات، قدمت برامج الأمن الاقتصادي التابعة للجنة الدولية مساعدات حيوية لأكثر من 1.5 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد، وشملت هذه البرامج توزيع المساعدات النقدية، والحصص الغذائية، والمواد المنزلية الأساسية، إلى جانب دعم تنويع سبل العيش من خلال تقديم مبادرات مثل تمكين مراكز تربية النحل ومشاريع الخدمات البيطرية. وفي السياق ذاته، أسهمت حملة تحصين الثروة الحيوانية واسعة النطاق في حماية سبل العيش في المناطق الريفية، حيث شملت الحملة تحصين 4.9 مليون رأس من الماشية خلال عام 2025، وقد عززت هذه المشاريع من قدرة السكان على الصمود وقوّت أنظمة سُبل العيش، مُمثلة شريان حياة للملايين من السكان الأكثر ضعفًا وداعمةً لجهود التعافي المستدام.
وفي عام 2025 وحده، وفّرت مشاريع المياه التي نفذتها اللجنة الدولية المياه النظيفة لمئات الآلاف من اليمنيين؛ وهو أمرٌ بالغ الأهمية للصحة والنظافة والبقاء، لا سيما في المجتمعات التي تواجه تحدياتٍ جسيمة في الخدمات الأساسية.
وواصلت فرق اللجنة الدولية عملها الدؤوب للحد من مخاطر مخلفات الحرب القابلة للانفجار، من خلال مساندةً الشركاء المحليين في تطهير الأراضي من الذخائر غير المتفجرة والتخلص منها، التي لا تزال تشكل تهديدًا قائمًا في الأراضي الزراعية والطرق والأحياء السكنية في محافظات عدة، ويشمل ذلك مدينة الحديدة، ومديرية حيس، ومديرية ذو باب في تعز على ساحل البحر الأحمر؛ الأمر الذي يسهم في تقليص مخاطر الوفاة والإصابة التي تهدد الأطفال والعائلات الساعية لاستعادة وتيرة حياتهم الطبيعية.
وسيطٌ محايد في مشهدٍ منقسم
شهدت الاحتياجات الإنسانية في اليمن تفاقمًا ملحوظًا إثر تصاعد النزاع في جنوب وشرق البلاد في ديسمبر الماضي. وإزاء هذا الوضع، ساندت فرق اللجنة الدولية فرق جمعية الهلال الأحمر اليمني في عمليات نقل الجثامين وإجلاء الجرحى في خطوط المواجهة، وتوفير المساعدات العاجلة للمرافق الطبية والمجتمعات المتضررة. ومع اتساع رقعة العنف التي شملت محافظات عدة في جنوب البلاد وشرقها، حرصت اللجنة الدولية على تقديم الإمدادات الطبية اللازمة لعلاج جرحى الحرب، بالتوازي مع استمرار الحوار مع كافة الأطراف الفاعلة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ونشرت اللجنة فريقًا جراحيًا من خارج البلاد إلى عدن لضمان استمرار رعاية المرضى الذين يعانون من إصابات خطيرة بعد مرحلة الاستقرار الأولي.
لماذا يُعدُّ دعمنا مهمًا؟
على مدار عامٍ حافلٍ بالتحديات، مدّت اللجنة الدولية يد العون للفئات الأكثر تضررًا من النزاع؛ حيث شملت جهودها شتى المجالات بدءًا من الرعاية الطبية وتوفير المياه النظيفة إلى لمّ شمل العائلات والتوعية بمخاطر الألغام. ومع ذلك، لا يزال حجم المعاناة هائلًا ويستوجب دعمًا وتمويلًا قويين في وقتٍ لا تزال فيه العائلات اليمنية تُكافح من أجل صون كرامتها والبقاء على قيد الحياة.
ومن هذا المنطلق، فإن خذلان هذه العائلات في هذه اللحظة الحرجة ليس خيارًا لدى اللجنة الدولية.
أولويات عام 2026 في مواجهة التحديات الإنسانية
تتمثل أولويات اللجنة الدولية لعام 2026 في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتصاعدة وسط توترات عسكرية متزايدة، وقيود مالية، وديناميكيات نزاع متغيرة، ويرتكز نهج المنظمة على مبادئ الحياد وعدم التحيز والاستقلال لضمان الوصول الآمن إلى السكان الأكثر ضعفًا.
وستركز اللجنة الدولية جهودها على الاستجابة الطارئة على امتداد خطوط المواجهة وفي أثناء العمليات العسكرية، وتعزيز الحوار مع السلطات والأطراف المسلحة والمجتمعات المحلية لتشجيع احترام القانون الدولي الإنساني، وتسعى المنظمة جاهدة لتقديم مساعدات متكاملة في الوقت المناسب للأشخاص الأكثر احتياجًا في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.
ويظل دعم المحتجزين والمفقودين وعائلاتهم في صميم المهمة الإنسانية المنوطة باللجنة الدولية، إلى جانب مواصلة الجهود لتسهيل عمليات الإفراج عن المحتجزين وتبادل الرفات البشري بصفتها وسيطًا محايدًا.
وستبقى جمعية الهلال الأحمر اليمني الشريك الطبيعي والاستراتيجي للجنة الدولية، حيث تسهم استجابتنا المشتركة والمنسقة في ضمان تقديم مساعدات إنسانية فعّالة ومستدامة في جميع أنحاء البلاد.
ومن خلال هذه الجهود، تجدد اللجنة الدولية التزامها الراسخ بحماية ومساعدة السكان الأكثر ضعفًا في المناطق المتضررة من النزاع.