اتفاقيات جنيف تعود بالنفع علينا جميعًا

إحاطة مقدمة لمجلس الأمن حول "تعزيز سيادة القانون وتدعيمها للحفاظ على السلام والأمن الدوليين"

13 آب/أغسطس 2019

بالصيغة التي أدليت بها من جانب رئيس اللجنة الدولية السيد بيتر ماورير

السيد رئيس مجلس الأمن، أصحاب السعادة، الزملاء الأعزاء، أشكركم على عقد هذه الجلسة وإتاحة الفرصة لي كي أقدم لكم اليوم هذه الإحاطة.

يشهد هذا العام حدثًا مهمًا: فقد مضت 70 عامًا على اعتماد الدول لاتفاقيات جنيف التاريخية لعام 1949 في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وبذلك، تكون هذه الدول قد أصدرت إعلانًا بالغ الأهمية، وهو أنه حتى في النزاعات المسلحة، وحتى بين ألد الأعداء يجب أن تكون هناك حدود للمعاناة التي يمكننا إلحاقها ببعضنا البعض.

إن اتفاقيات جنيف ترمز إلى صمودنا وإنسانيتنا المشتركة، ولأنها مترسخة في الأفكار الموجودة بالحضارات كافة، فهي تضع قيودًا على ما يمكن أن تسببه الحروب من آثارٍ مدمرة.

 

اليوم، تمثل اتفاقيات جنيف المصدَّق عليها عالميًا أحد أعظم إنجازات التعاون في ما بين الدول.

وتبين لنا الاتفاقيات ما يمكن تحقيقه إذا ما اتخذت الدول إجراءات جماعية وفردية تهدف إلى التمسك بالقانون وبالمبادئ الإنسانية.

إن القانون الدولي الإنساني لا يطالبنا بفعل المستحيل، ولم تكن الدول منساقة معصوبة العينين لتحقيق مثل عليا عندما تفاوضت معًا بشأن هذه المعاهدات، بل كانت تعرف حقيقة الحرب تمام المعرفة، وعليه وضعت قواعد عملية في جوهرها من أجل حماية حياة الإنسان وكرامته.

فبموجب اتفاقيات جنيف الأربع، تُمنح الحماية للجنود الجرحى والمرضى في البر والبحر، وكذلك لأسرى الحرب والمدنيين. علاوة على ذلك، شهد عام 1949 إنجازًا مهمًا آخر، ألا وهو إدراج المادة 3 التي ذكرها زملائي لتوهم والمشتركة بين الاتفاقيات الأربع جميعها، وهي تنص على توفير الحماية في النزاعات التي تشارك بها الجماعات المسلحة من غير الدول.

وإلى اليوم، يظل القانون الدولي الإنساني أداة رئيسية تستعين بها الدول لمواجهة التحديات المعاصرة في النزاعات، ومن بينها عمليات مكافحة الإرهاب في النزاعات المسلحة، إذ يحقق القانون الإنساني التوازن بين الضرورة العسكرية ومبدأ الإنسانية.

ففي كل يوم، ينقذ هذا القانون حياة البشر، ويحمي النساء والرجال والأطفال في مناطق النزاعات في شتى أرجاء العالم. في الحقيقة، نحن على علم بوقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني من عواقب هذه الانتهاكات المأساوية والمنظورة، لكن يجب ألا يمنعنا ذلك من الإقرار أيضًا بقوة الحماية التي يوفرها القانون والآثار الإيجابية الناجمة عن احترامه.

تتبدّى آثار القانون الدولي الإنساني بوضوح في أحداث مثل: إجلاء الجرحى والمرضى إلى أماكن آمنة، وعندما يُعامل المحتجزون معاملة كريمة، وعندما يُحدد مصير الأشخاص المفقودين، وعندما تُقدم المساعدات الإنسانية عبر خطوط المواجهة.

كما تظهر آثار القانون الدولي الإنساني عبر ضبط النفس والامتناع عن ارتكاب الفظائع، مثل تجنب استهداف المناطق المدنية بالقصف المباشر، وإتاحة الفرصة للعاملين في المجال الطبي للعمل بحرية دون أن يتعرَّضوا للتهديد أو الاستهداف.

فعندما يُحترم القانون الدولي الإنساني، يقل خطر تعرُّض المجتمعات للأضرار المادية والاجتماعية على المدى الطويل. وفي هذه الحقبة التي تتسم بطول أمد النزاعات، يعيش الناس وسط الحروب وأعمال العنف لسنوات بل وحتى لعقود، لذا يجب أن يستمروا في ما هو أشبه بالحياة الطبيعية. وعندما يُحترم القانون الدولي الإنساني، يمكن تجنب الانهيار الكامل للبلدات والمدن، ما يعني انخفاض أعداد النازحين وبقاء المدارس والمستشفيات والأسواق مفتوحة للسكان.

 

الزملاء الأعزاء، رغم أن اتفاقيات جنيف مصدَّق عليها عالميًا، من الواضح من المعاناة المروعة البادية للعيان في نزاعات اليوم أنها لا تحظى بالاحترام عالميًا.

فكثيرًا ما ترى اللجنة الدولية أثر انتهاكات القانون الدولي على الناس، من قتل عشوائي وتعذيب واغتصاب وتدمير مدن والتسبب في صدمات نفسية.

لكن الانتهاكات المستمرة للقانون لا تعني أنه يعاني قصورًا، بل تعني أن الجهود المبذولة لضمان احترامه غير كافية. بوسعنا – بل يجب علينا - بذل المزيد من العمل. بوسعكم بذل المزيد من العمل.

من واقع خبرتنا نعلم أن انتهاكات القانون الدولي الإنساني لا تحدث بسبب الجهل بالقانون فحسب، بل بسبب عدم تحويل المعرفة به إلى سلوك.

ولا يكمن التحدي في ضمان دمج القانون في العقيدة الرسمية والإجراءات العسكرية فحسب، بل في أن يصبح أحد المعايير الأخلاقية لسلوك القوات والأفراد، وفي أن يقف المقاتل أمام خيار انتهاك القانون بثبات ويقول "هذا التصرف خطأ؛ وليس من شيمي!".

في هذه الذكرى السنوية، ندعوا الدول أن تتوخى اليقظة، وأن تحافظ على مسؤولياتها القانونية، وأن تواصل اتخاذ الخطوات العملية لتفسير القانون تفسيرًا طموحًا وتنفيذه تنفيذًا دقيقًا.

والإجراءات التي يمكن للدول اتخاذها هي:

  • التصديق على جميع المعاهدات المتصلة بالقانون الدولي الإنساني؛
  • تعزيز العقيدة العسكرية وقواعد الاشتباك والممارسات الميدانية؛
  • ضمان تعميم قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئه في التدريبات العسكرية؛
  • وضع تشريعات وطنية تتوافق مع الالتزامات الدولية؛
  • تدريب البرلمانيين والمهنيين القانونيين على القانون الدولي الإنساني، والمزيد.

تنطوي هذه المهمة على ضمان عدم بقاء الأحكام الواردة في اتفاقيات جنيف كامنة في النصوص القانونية فحسب، بل على التعريف بها وتطبيقها ومناصرتها.

وباعتبار القانون وثيقة قابلة للتعديل، يجب أن تعكس طريقة فهمه واقع عصرنا الحالي.

فلا ريب أن ساحة المعركة الحديثة أصبحت ساحة معقدة، إذ تُمثل الحروب التي تُشن في المدن، وتزايد أعداد الجماعات المسلحة، وتشكيل التحالفات معضلات جديدة وصعبة. كما تخلق التقنيات السريعة التطور جبهات جديدة في الفضاء السيبراني، فضلًا عن وسائل جديدة للقتال، مثل منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل، والتقنيات التي يمكن التحكم فيها عن بُعد.

مع هذه التحديات الجديدة التي نواجهها، نحتاج إلى إمعان النظر باستمرار في المعاني الواردة في القانون الدولي الإنساني وتطويره لمجابهة تحديات الحرب حاليًا ومستقبلًا. وتعمل اللجنة الدولية مع الدول حول تطبيق المفاهيم الأساسية للقانون الدولي الإنساني في هذه المجالات الناشئة، ونطلب منها المشاركة معنا في حوارٍ بنَّاء ومنفتح حول هذه القضايا المهمة. فليس بوسع العالم أن يُضيع فرصة حماية الإنسانية على هذه الجبهات الجديدة.

الزملاء الأعزاء، السيد الرئيس، إن اتفاقيات جنيف تعود بالنفع علينا جميعًا؛ فهي تمثل إنسانيتنا المشتركة والدرع الذي يحمينا من همجيتنا، ولا يجب أن يغيب هذا عن بالنا.

وتشجعنا هذه الذكرى السنوية على تذكر أن احترام القانون ممكن ومرغوب فيه من جانبنا جميعًا.

كما أنها بمثابة دعوة للمزيد من العمل، وتحسين أدائنا، وتحمُّل مسؤولياتنا في أوقات النزاعات بهدف احترام حياة الإنسان وكرامته.

شكرًا لكم سيادة الرئيس.