فما شاهدناه، بعد أن انطلقنا من رفح التي لم تعد موجودة باتجاه المناطق الواقعة شمالاً، حجم هائل من الدمار. إذ لا يمكن أن ترى مبنىً واحداً لم يتضرر من القتال الدائر منذ عامين ونصف، ولا يزال.
وثاني شيء ترصده عيناك الكثافة الخانقة التي يعيش فيها الناس. فالكثير الكثير من الناس يعيشون في مساحة متناهية الصغر، في خِيم لا يتوفر فيها إلا القليل القليل من مستلزمات العيش.
ويمكنك حينها أن تتصور ما يعني ذلك من حيث إمكانيات الحصول على الماء، وإمكانية تأمين مأوى، وما يعني ذلك من حيث الحفاظ على الكرامة والخصوصية، وبناء حياة جديدة. وهذه كلها أمور سمعتها من الناس.
"نحن نحاول أن نبني شيئاً لأنفسنا، بل ونحتاج ذلك، لكن كيف يمكنك أن تبني شيئاً بينما عليك أن تخرج لتؤمن الماء؟ وحين يتعين عليك أن تؤمن أبسط الاحتياجات، وحين يكون عليك أولاً أن تكفل الحصول على أبسط مقومات العيش قبل أن تتمكن فعلاً من أن تبني شيئاً تحتاجه؟"
وكان ما شاهدناه مذهلاً إلى أبعد حدّ، والمعاناة بعيدة كل البعد عن الانتهاء. ولا يزال يتعين فعل الكثير قبل أن يتمكن الناس من العودة إلى ما يشبه حياة طبيعية. إن الطريق نحو تحقيق ذلك لا يزال طويلاً، بل طويلاً جداً.
وأعتقد أن ما شاهدناه يذكرنا مجدداً وبشكل صارخ بمدى أهمية القانون الدولي الإنساني في ضمان المحافظة على حدّ أدنى من الإنسانية في أحلك الظروف، لأن سكان غزة لا يزالون يعيشون في ظروف لا يمكن تحملها ولا قبولها.