دور الأطراف الفاعلة في تعزيز الوعي بالقانون الدولي الإنساني – الحوار مع الأوساط الإسلامية

14 كانون الأول/ديسمبر 2015
دور الأطراف الفاعلة في تعزيز الوعي بالقانون الدولي الإنساني – الحوار مع الأوساط الإسلامية
© Yaser Khalaf / Islamic University

قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤخراً بتنظيم مؤتمرٍ دوليٍ حول القانون الدولي الإنساني في ضوء الشريعة الإسلامية، بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بغزة، احدى أهم الصروح العلمية في فلسطين المحتلة عموماً وفي قطاع غزة خصوصاً. حيث كان تركيز المؤتمر والمشاركات فيه حول ضمانات التطبيق لهذا القانون والتحديات المعاصرة التي تواجهه، لا سيما في ظل الوضع الحالي للمنطقة.

يوسف اليازجي موظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المسؤول عن ملف التواصل مع الأوساط الإسلامية في قطاع غزة

وعن أهمية هذا الموضوع، يتحدث السيد/ يوسف اليازجي، موظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المسؤول عن ملف التواصل مع الأوساط الإسلامية في قطاع غزة، عن دور الأطراف الفاعلة في تعزيز الوعي بهذا القانون وعن الحوار مع الأوساط الإسلامية في هذه المقابلة:

متى بدأت اللجنة الدولية الحوار مع الأوساط الإسلامية؟

 كانت بدايات العمل مع الأوساط الإسلامية في منتصف التسعينيات (لا سيما العاملين منهم في المجال الإنساني)، حيث امتد ذلك التعاون إلى الأديان كافة. فتركزت الجهود منذ ذلك الحين على إيجاد مساحة مشتركة بين القانون الدولي الانساني والمفاهيم الإنسانية الإسلامية أوقات النزاعات المسلحة. وكان للعديد من الفعاليات التي بادرت اللجنة الدولية في تنظيمها في العديد من بلدان العالم الإسلامي دوراً في تعزيز الحوار المشترك مع مختلف الأوساط الاسلامية.

كما شجعت الباحثين والعلماء المسلمين على تسليط الضوء على أوجه التشابه بين أحكام الإسلام ذات الصلة والقانون الدولي الإنساني، وتزويدهم بالمنشورات والمراجع والدراسات ذات العلاقة بالقانون الدولي الإنساني، من ناحية أخرى. ويمكننا القول إن المنطقة العربية اليوم تتوفر فيها خبرات أسهمت في نشر هذا القانون، كما بات واضحاً لدى العديد أن هناك وعياً بأن المبادئ التي نص عليها هذا القانون لا تتعارض في مجملها مع تلك الخاصة بالتعاليم الإسلامية ذات الصلة.

وكغيرها في العديد من المناطق حول العالم، بدأ العمل في فلسطين مع الأوساط الإسلامية منذ عام 2005، من خلال العمل المشترك مع المؤسسات الإسلامية الخيرية منها والأكاديمية المحلية الفاعلة والمؤثرة؛ إيمانا بأهمية دورها في المجتمع الفلسطيني المحافظ بطبيعته، وتطلعاً نحو إشراكها بلعب دور أبرز في مواجهة تحديات العمل الإنساني المعاصرة. فقد نظمت اللجنة الدولية -ولا زالت- العديد من الأيام الدراسية والندوات واللقاءات المحلية والإقليمية بمشاركة المسؤولين والمؤسسات الرسمية والعلماء والأكاديميين والباحثين والطلاب من كليات القانون والشريعة.

لماذا تسعى اللجنة الدولية للصليب الأحمر للحوار مع الأوساط الإسلامية والفئات الدينية الفاعلة؟

تسعى اللجنة الدولية إلى حماية المدنيين والتخفيف من معاناة المتضررين أوقات الحروب وحالات الاضطرابات والعنف. وانطلاقاً من هذا الدور، تقوم بالتعاون والتشاور مع الجهات الفاعلة المختلفة من هيئات حكومية ومؤسسات مجتمع مدني والجهات التي تشاركها نفس الاهتمامات في العمل الإنساني المستقل، دون المجازفة باستقلالها أو حيادها.

ولا يخفى على أحد أن الصراعات المسلحة في يومنا هذا تدور في الكثير من الأحيان في العديد من مناطق العالم الإسلامي والتي تشهد اضطرابات وحالات عنف متزايدة تحمل الطابع غير الدولي في غالبيتها؛ ما أضفى عليها تعقيداً أعاق تطبيق القانون الدولي الإنساني واحترامه في الكثير من الأحيان. ومن هنا، ترتب علينا بذل المزيد من الجهود في مجال العمل الإنساني في تلك المنطقة من العالم. وقد يتساءل البعض عن سبب اهتمامنا في العمل مع نخب إسلامية مؤثرة من علماء وفقهاء. والسبب في ذلك هو أن الشريعة الإسلامية، احدى الشرائع السماوية التي تعد المنبع الرئيس للقانون الدولي الإنساني، كانت قد أصلت منذ قرون عدة تلك القيم الإنسانية ومنحت ضحايا الحرب كافة أوجه الحماية والاحترام والمعاملة الإنسانية الكريمة زمن السلم والحرب. لذلك، وإيماناً منها بأهمية دور العلماء والقيادات الدينية في تعزيز احترام القيم الإنسانية في تلك الأوقات، تعمل اللجنة الدولية على تعميق حوارها مع العلماء من مختلف الأوساط الإسلامية من مفكرين وأكاديميين وعلماء في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي حول القضايا الإنسانية المتعلقة بضحايا النزاعات المسلحة ومناقشة التحديات التي تواجهها.

ما أهمية هذا المؤتمر الذي نظمته اللجنة الدولية مؤخراُ في فلسطين؟

لعل عقد هذا المؤتمر بالتعاون مع كلية الشريعة والقانون بالجامعة الاسلامية بغزة، والذي يعد الأول من نوعه في الأرض الفلسطينية المحتلة، قد جاء ثمرة طيبة للجهود التي بذلتها اللجنة الدولية مع الأوساط الإسلامية والأكاديمية خلال السنوات الماضية، وهو بذلك مثالاً حياً على استمرار هذا التعاون؛ بما ساهم في تعزيز الحوار القائم وبناء الثقة اللازمة للعمل سويا. فاللجنة الدولية تدرك أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه علماء الشريعة وأساتذة الجامعات هنا في تطوير القانون الدولي الإنساني وفي تعزيز الحوار مع صناع القرار والنخب المجتمعية المؤثرة؛ حيث تعتمد اللجنة الدولية على الخبرة التي يمتلكونها في طرح تلك التحديات مع محاولة وضع الحلول المناسبة؛ لمواجهتها لتخفيف المعاناة الإنسانية. ففي هذا الوقت، نحن بأمس الحاجة إلى مناقشة قضايا إنسانية ملحة في عالم بات يواجه فيه العمل الإنساني العديد من التحديات الملموسة في النزاعات المسلحة المعاصرة.

ولا بد من التأكيد على أهمية العمل على تنمية التعاون وتبادل الخبرات مع كافة الجهات الفاعلة في نشر الوعي بالقانون الدولي الإنساني وفق نهج تشاركي فاعل كون أن المسؤولية تقع على الجميع. وإن كنا قد قطعنا شوطاً هاماً في هذا المضمار، فلا زال أمامنا الكثير من العمل.

ما أهمية نشر الوعي بمبادئ القانون الدولي الإنساني؟

لا بد أن تنامي الصراعات المسلحة التي تشهدها المنطقة في يومنا هذا، وما تبعها من مستجدات على أرض الواقع، أدى إلى تعزيز الاهتمام لدى العديد من الأوساط الدولية والمحلية بالقواعد التي تحكم النزاعات المسلحة، ما أسهم في ازدياد الوعي بالقانون الدولي الإنساني، والذي تمثل بمصادقة (197) دولة على اتفاقيات جنيف الأربع كانت آخرهم دولة فلسطين. إلا أنه لا يزال هناك الكثير من الجهد الذي يتعين عمله في هذا المجال، ذلك أن احترام هذا القانون والتقيد بأحكامه يتطلب قبل كل شيء التعريف به والتدريب عليه، كونه يهدف إلى حماية فئات معينة من أشخاص وأعيان في زمن النزاعات المسلحة. وانطلاقاً من القاعدة العامة أنه "لا عذر بجهل القانون وأن الإنسان عدو ما يجهل"، فإن الجهل بتلك القواعد يشكل خطورة عالية لما قد يترتب على انتهاكها من معاناة إنسانية لا يمكن حصرها وخسائر وآلامٍ لا مبرر لها كان من الممكن تفاديها في حال المعرفة بها مسبقاً. وهذا ما جعل النشر لهذا القانون يحظى باهتمام كبير في المجتمع الدولي عند صياغة الاتفاقيات، باعتباره إجراءً وقائياً يمنع ارتكاب جرائم الحرب قبل حدوثها.

ومن هنا، نصت المادة: (47) (48) (127) (144) من اتفاقيات جنيف الأولى والثانية والثالثة والرابعة على التوالي لسنة 1949 وكذلك المادة (83) من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 على دور الأطراف السامية المتعاقدة في نشر نص تلك الاتفاقيات على أوسع نطاق ممكن في بلدانها وقت السلم، كما في وقت الحرب.

ما الدور الذي يقع على عاتق اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مجال النشر؟

تبذل اللجنة الدولية جهوداً حثيثة في التعريف والتثقيف والنشر لمبادئ القانون الدولي الإنساني على مستويات عدة، حيث يعتبر هذا القانون المرجعية القانونية لأنشطة الحماية والمساعدة التي تنفذها. فإضافة إلى كونها منظمة غير متحيزة ومحايدة ومستقلة تضطلع بمهمة إنسانية محضة، تساهم اللجنة الدولية في توضيح وتطوير القانون الدولي الإنساني، وكفالة مواءمته مع تطور الوقائع أثناء النزاعات، لا سيما في حالات النزاع المسلح الداخلي، بالاستناد أيضاً إلى القانون الدولي الإنساني العرفي.

ويعدّ أفراد القوات المسلحة والمقاتلين من القوات غير النظامية من أهم الفئات التي يقتضي التركيز عليها بالنشر في كل مناطق عمل اللجنة الدولية، حيث أنه ودون النظر إلى أسباب النزاع أو مشروعيته فـإن القانون الدولي الإنساني يركز على كيفية توعية حملة السلاح، أياً كان تصنيفهم، بقواعد القتال وكيفية تطبيقها، كما وتشمل جهود النشر أيضا كلاًّ من المستشارين القانونيين، والأوساط الأكاديمية والدينية وكذلك المجتمع المدني بكافة فئاته. ولا يمكننا هنا أن نغفل الدور الهام المنوط للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر؛ باعتبارها شريكاً لا غنى عنه في هذا المجال ولابد من التأكيد هنا على أن احترام القانون الانساني يقع بالدرجة الأولى على عاتق الدول المُوقِعة.

اشترك في نشرتنا الإلكترونية