جنوب السودان: لديك ثلاث دقائق فقط على الهاتف، بمن ستتصل؟

20 كانون الأول/ديسمبر 2015
جنوب السودان: لديك ثلاث دقائق فقط على الهاتف، بمن ستتصل؟
© Giles Duley / ICRC

مئات الآلاف بينهم رجال ونساء وأطفال اضطروا للنزوح أو الفرار تاركين ديارهم إلى بلدان مجاورة على إثر الأزمة التي اندلعت في جنوب السودان في كانون الأول/ ديسمبر 2013. ولا شك أن البقاء على اتصال بالعائلة والأصدقاء يُجدد الأمل في النفوس، غير أن توفر الوقت والفرصة لهذا الاتصال يعدان رفاهية لا تُتاح كثيرًا في مثل تلك الظروف.

ولمساعدة الناس في العثور على أحبائهم والاتصال بهم، وسّع الصليب الأحمر نطاق أنشطته في مجال إعادة الروابط العائلية في البلاد. وتشمل هذه الخدمات خدمة المكالمات الهاتفية المجانية، ورسائل الصليب الأحمر المكتوبة باليد لتبادل الأخبار العائلية، وإصدار ألبوم صور للنازحين بجنوب السودان نُشرت في "سجلّ للصور". يجوب هذا السّجل الأماكن المختلفة ليطًلع عليه الناس ويتعرفوا على ذويهم الذين فقدوهم. كما خُصصت صفحة إلكترونية تحمل عنوان (http://familylinks.icrc.org/south-sudan) تمكّن الأفراد من تعقب أثر أفراد العائلة الذين انقطع اتصالهم بهم.

في تشرين الأول/ أكتوبر، سافر المصور الفوتوغرافي البريطاني "جايلز دولي" إلى "أكوبو" بولاية "جونقلي"، لتوثيق المشروع الذي تديره اللجنة الدولية بمساعدة فريق من متطوعي الصليب الأحمر لجنوب السودان.

ثلاث دقائق، مكالمة واحدة. بمن ستتصل؟ وماذا ستقول؟

نعيش اليوم أزهى عصور الاتصالات، فلم يسبق أن كان الاتصال بأحبائنا على هذه الدرجة من السهولة قط، بينما تنوعت وسائل الاتصال بين الرسائل الخطية، والبريد الإلكتروني، وتويتر، وفيسبوك، وواتس آب، وسكايب، أو ببساطة: الاتصال الهاتفي. وتضمن لنا هذه الوسائل الوصول إلى الأصدقاء، والزملاء، وأفراد العائلة على مدار الساعة بصرف النظر عن مكان وجودهم في أي بقعة من العالم. إنه عصر الاتصالات بلا منازع.

إذًا لنتخيل معًا أننا استيقظنا ذات يوم لنجد أننا جُرّدنا من هذه الوسائل كافة، وكان كل المتاح أمامك هو إجراء مكالمة هاتفية واحدة مع شخص واحد، ولمدة ثلاث دقائق فقط، من الشخص الذي ستهاتفه؟ وماذا ستقول له؟

هذا هو الواقع الذي يعيشه الكثيرون في جنوب السودان. ففي عام 2013، أي بعد عامين فقط من نيلها استقلالها، انزلقت الدولة الفتية في دوامة حرب أهلية شرسة، تشرذمت على إثرها المجتمعات المحلية وتشتت شمل العائلات. عمدت الحكومة في محاولة منها لإخماد نار القتال إلى تعطيل شبكات الهاتف المحمول المُنهكة بالفعل، لتحجب بذلك وسيلة الاتصال الوحيدة التي يعتمد عليها الكثيرون.

فقد الاتصال

"أكوبو" بلدة تقع في ولاية "جونقلي" على الحدود مع إثيوبيا، وتبعد نحو 280 ميلًا من عاصمة جنوب السودان "جوبا". عانت البلدة كثيرًا على مدار سنوات من الحرب، وعندما حصلت جنوب السودان على استقلالها أخيرًا، خيمت موجة من التفاؤل على البلدة، وبدا أن السلام الذي طال انتظاره سيعمّ أخيرًا، وانتقل الكثير من سكانها إلى العاصمة "جوبا" بحثًا عن فرص العمل والدراسة.

وفي بلدة "أكوبو" ذاتها، افترقت العائلات؛ ذلك أن الرجال اضطروا للبقاء للاعتناء بمنازلهم وأراضيهم الزراعية، بينما خرجت النساء والأطفال لاجئين إلى الجارتين إثيوبيا وكينيا هربًا من القتال الدائر. وظن معظم الناس أن الحرب ستضع أوزارها في غضون أسابيع وأن شمل العائلات سيلتئم من جديد.

لكنّ ما حدث بعد ذلك أن توقفت شبكات الهواتف عن العمل، ووجدت "أكوبو" نفسها –شأنها شأن العديد من بلدات وقرى جنوب السودان- في عزلة عن العالم الخارجي. ومع اشتعال أوار الحرب، فُقدت جميع سبل الاتصال بالعائلة والأصدقاء. وتُرك الكثير في حالة من عدم اليقين حول مصير أحبائهم وما إذا كانوا على قيد الحياة أم لا. فقد فقدت "أكوبو" جميع سبل الاتصال بعالم متصل من غربه إلى شرقه.

الرقم الأغلى

ثم في عام 2013، أُطلق برنامج إعادة الروابط العائلية الذي تنفذه اللجنة الدولية للصليب الأحمر في "أكوبو". وفي تموز/ يوليو 2014، أتيحت أمام الناس فرصة الاتصال باستخدام الهواتف الساتلية في إطار المشروع الذي تنفذه اللجنة الدولية. وكانت تلك بالنسبة للكثيرين هي المرة الأولى التي يتحدثون فيها إلى أقاربهم المفقودين منذ سنتين.

يأوي سكان "أكوبو" محتمين من حرارة الشمس الحارقة إلى ظل شجرة على أطراف البلدة، ينتظرون في صبر دورهم في استخدام الهاتف. في البداية يُسجلون أسماءهم، وقد يبلغ عددهم 200 شخص في اليوم، ثم ينتظرون. وما أن يسمعوا أسماءهم تُنادى عبر مكبر الصوت، يتقدمون في لهفة وفي يد كل منهم ورقة مُدوّن عليها رقم الهاتف الذي يُعد أغلى ما يملك في تلك اللحظة. يُسلمون الورقة إلى موظف اللجنة الدولية، الذي يضغط أزرار الهاتف قبل أن يُمرره إلى الشخص صاحب المكالمة.

يُسمح لكل متصل بثلاث دقائق فقط.

قد يصعب تخيل ذلك، لكن تلك الدقائق الثلاث تمثّل بالفعل الشريان الوحيد لاتصال سكان "أكوبو" بالعالم الخارجي. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: إذا أُتيحت لك تلك الدقائق الثلاث الثمينة لتهاتف شخصًا تحبه؛ فبمن ستتصل؟ وماذا ستقول له؟

All photos: © Giles Duley / ICRC

ليب وان لوانغ، 35 عامًا من أكوبو
اتصل "ليب" بزوجته التي لم يرها أو يتحدث إليها منذ كانون الأول/ ديسمبر 2013. أراد الاطمئنان عليها وعلى أبنائه. وأن يوجه لهم رسالة أبوية فحواها: "أفتقدكم كثيرًا. لا تقلقوا، فأنا بخير حال".

نياندينغ كوانغ بول، 31 عامًا، من أكوبو
هاتفت "نياندينغ" أبناءها الذين فرّوا بسبب القتال في كانون الأول/ ديسمبر 2013. انقطع الاتصال بين "نياندينغ" وأبنائها السبعة بُعيد مغادرتهم. كان كل ما يشغلها هو الاطمئنان على سلامتهم، ولا تتمنى سوى عودة أبنائها إلى حضنها ليعيشوا في كنف رعايتها لهم. لكنها تعلم أن هذا حلم بعيد المنال في الوقت الحالي.

وان كير وان، 39 عامًا، من أكوبو
اتصل "وان" بزوجته، كانت أول مرة يسمع صوتها منذ آذار/ مارس 2014. كان يود الاطمئنان عليها، ويشد من أزرها قائلًا: "قريبًا سيلتئم شملنا مجددًا".

نياكوبو ويوال، 16 عامًا، من أكوبو
هاتفت "نياكوبو" أخاها الذي ظنت أنه لقي حتفه في القتال الدائر. لم تسمع أي أخبار عنه منذ عام 2013، وبمجرد أن سمعت صوته في الهاتف أجهشت بالبكاء. تقول "نياكوبو": "بكيت لأنني ظننت أن أخي قتل، لكنني الآن أسمع صوته. كم أنا سعيدة بهذا!".

"تشي ياك بوك"، 33 عامًا، من أكوبو
اتصل "تشي" بأخته التي لم يرها منذ عام 2013 عندما فرّت من القتال الذي شهدته "أكوبو". كانت رسالته لها واضحة وبسيطة: "قبل يومين وضعت زوجتي مولودة. لقد أصبحتي خالة!"

نيانتشان مالول موت، 19 عامًا، من أكوبو
هاتفت "نيانتشان" أختها التي تقيم في مخيم للنازحين داخليًا في "جوبا". لم يحدث أي اتصال بين الأختين منذ 2013. كانت تود إخبار أختها أن ثمّة قريب آخر لهما عُثر عليه في "جوبا"، وأنها تأمل أن يجري اتصال بينهما حتى لا تظل أختها بمفردها.

تشيو لام توروك، 18 عامًا، من أكوبو
هاتفت "تشيو" زوجها الذي كان يدرس في "أديس أبابا". لم يتسنّ لهما الاتصال ببعضهما منذ نيسان/ أبريل 2015. حمل له مكالمتها أنباءً سارة: إنها حامل! وأكدت له أنها بخير وأن عليه مواصلة دراسته.

تشول لول والو، نحو 60 عامًا، من أكوبو
اتصلت "تشول" بابنتها وزوج ابنتها، اللذين فقدت الاتصال بهما منذ كانون الأول/ ديسمبر 2013. وهما الآن يعيشان في الخرطوم عاصمة السودان. عندما اندلعت الحرب، تُركت "تشول" وحيدة ولم تجد أي أحد يساعدها. وطلبت من عائلتها إرسال ملابس وبعض المال، فكما تقول: "بسبب الحرب لم يعد برفقتي أي أحد".

شاهد مجموعة الصور الكاملة وحملها بجودة عالية:

جنوب السودان: لديك ثلاث دقائق فقط على الهاتف، بمن ستتصل؟

شاهد أيضاً الصفحة الخاصة:

الفوضى عنوان حياة النزوح في جنوب السودان