حلب: نحو 20,000 شخص فرّوا من منازلهم على مدار الأيام الثلاثة الماضية

29 تشرين الثاني/نوفمبر 2016
حلب: نحو 20,000 شخص فرّوا من منازلهم على مدار الأيام الثلاثة الماضية
ناس يمشون فوق أنقاض المباني المدمرة في حلب حاملين متعلقاتهم. REUTERS / Abdalrhman Ismail

كانت أسنانها تصطك من شدة البرد، أدخلت كفيها الصغيرتين اللتين تلتمسان الدفء داخل جيوب سترتها الصفراء المهلهلة. لكنها كانت تبتسم رغم ذلك، وتلهو مع أصدقائها في محيط بنايات حلب التي دمرها القصف.

تبلغ "يسرا" من العمر ستة أعوام. لم تعرف طوال سنوات عمرها القلائل من الحياة شيئًا سوى الحرب، فعمرها يساوي عمر الحرب في سورية. أُجبرت عائلتها على الفرار من منزلها مع اندلاع اشتباكات عنيفة في الحي الذي كانت تقطن فيه، شأنها في ذلك شأن عائلات كثيرة.

بحثت عائلة "يسرا" عن مكان أكثر أمنًا، لينتهي بها الحال في بناية شبه مُهدّمة، تكافح فيها من أجل البقاء.

يسرا، ذات الـ6 سنوات، وجدت هي وأصدقائها مكاناً للعب في وسط الدمار. CC BY-NC-ND / ICRC / Sana Tarabishi

يُقدر أن نحو 60,000 شخص أُجبروا على ترك منازلهم في حلب منذ آب/أغسطس الماضي. فرّ نحو عشرين ألفًا على مدار الـ 72 ساعة الماضية فقط. بينما غادر آلاف غيرهم قبل ذلك.

يعيش بعض الناس في أماكن إيواء، والبعض اتخذ من المساجد، أو المدارس، أو الخيام مأوىً لهم، في حين وجد البعض الآخر ملاذًا داخل بنايات غير مكتملة البناء أو متضررة. ويقيم البعض في ضيافة عائلات تعاني بالفعل ضغوطًا كبيرة. فضلًا عن أن الأطفال والشباب بحاجة ماسة ولديهم رغبة ملحة للالتحاق بالدراسة، لا سيما بعد المحن التي خاضوها.

أُجبر عدد كبير من الناس على الفرار من ديارهم مرتين أو ثلاث مرات كلما اقترب دوي الرصاص والقنابل. وشهد غرب حلب فرار أكثر من 40,000 شخص من المناطق الملتهبة بالقتال؛ بدءًا بحي "الراموسة" جنوب غربي حلب، ثم لاحقًا من الأجزاء الغربية للمدينة، مثل أحياء "حلب الجديدة"، و"منيان"، و"الحمدانية". أما في الشرق، فقد ذكرت تقارير أن احتدام الهجمات على أحياء "مساكن هنانو"، و"جبل بدرو"، و"الصاخور" أسفر عن فرار عشرين ألف شخص في اتجاهات مختلفة بحثًا عن ملاذٍ آمن. وغالبية الفارين من العائلات، ومن بينها عائلات بها رُضّع وأطفال صغار. ومع حلول فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، تتفاقم أوضاعهم المعيشية داخل أماكن إيوائهم المؤقتة.

تقول السيدة "ماريان غاسر" رئيسة بعثة اللجنة الدولية في سورية، أثناء تفقدها أماكن الإيواء في حلب: "إن العواقب المترتبة على الفرار من المنزل وخيمة. فلا يقتصر الأمر على مجرد التقاط بضعة مستلزمات ومغادرة المكان، بل هناك تداعيات هائلة. فهؤلاء بحاجة إلى ضمان توفير ممر آمن وظروف معيشية كريمة. وهم يحتاجون أيضًا جميع الضروريات الأساسية كالغذاء، ومياه الشرب الآمنة، والرعاية الطبية".

كان تعداد سكان مدينة حلب يتجاوز مليوني نسمة، لكن بعد تحولها لساحة قتال مستعر ومع موجات النزوح الكبيرة، بات تحديد أعداد السكان الباقين في المدينة في الوقت الحاضر على وجه الدقة أمرًا مستحيلًا.

وفي ظل تآكل مخزونات المواد الغذائية، وارتفاع أسعارها أو – كما هو الحال في شرق حلب – بلوغها مستويات غير مسبوقة، بلغت تكلفة شراء المواد الغذائية الطازجة كالفواكه، والخضراوات، والحليب، واللحم أرقامًا فلكية: فتكلفة كيلوغرام واحد من الفلفل الأخضر تتجاوز 14 دولار أمريكي، أي عشرة أضعاف ثمنه الطبيعي. وكذلك ارتفعت أسعار الأغذية الجافة الأساسية: فسعر كيلوغرام من السكر بلغ رقمًا جنونيًا وهو 21 دولار أمريكي، بزيادة نحو عشرة أضعاف عن متوسط سعر السوق، في حين يبلغ سعر رغيف الخبز الصغير 50 سنتًا، أي أغلى من سعره الطبيعي بـ 15 ضعفًا.

تبذل اللجنة الدولية والهلال الأحمر العربي السوري قصارى جهدهما لتقديم العون، والمساعدة على تحسين ظروف أماكن إيواء السكان، وإمدادهم بالمواد الغذائية والرعاية الطبية متى أمكن. وقد ساعد تجهيز الآبار وترميمها كثيرًا في الإمداد بالمياه، خاصة في المدن التي توقفت فيها شبكات المياه عن العمل. غير أن الاحتياجات هائلة، واستمرار القتال وانعدام الأمن يُصعّبان إيصال المساعدات وتنفيذ الإصلاحات.

تقول السيدة "ماريان غاسر": "يجب على جميع الأطراف احترام المدنيين. المرافق الطبية بحاجة للحماية، إذ تضرر العديد منها أو دُمّر. ولا بد أن تتوقف الهجمات العشوائية. يجب صون الكرامة الإنسانية في جميع الأوقات".

وهناك أيضًا معاناة أقل ظهورًا يتسبب فيها النزوح. إذ يفقد الأبناء فعليًا كل فرص التعليم النظامي. هذا بخلاف الضرر النفسي المترتب. فنحن أمام عدد كبير من الناس يعيشون تحت وطأة كل هذا القدر من الخوف وعدم اليقين لمدة طويلة. لا شك أن الآثار ستدوم لسنوات.

وأضافت السيدة "ماريان" قائلة: "نحن مستعدون لبذل المزيد؛ بتنظيم عمليات إجلاء طبي، وتقديم مزيدٍ من الدعم للناس الباقين في المدينة. لكننا بحاجة للوصول إلى عدد أكبر من الناس حيثما كانوا. وفي ظل انعدام أي نهاية للقتال في الأفق، ودون التوصل إلى اتفاق سلام فعلي أعمّ، ستخوض آلاف أخرى من المدنيين كفاحًا يوميًا للبقاء على قيد الحياة".

ملاحظات للمحررين:

اللجنة الدولية للصليب الأحمر على الأرض في حلب:

  • تستجيب اللجنة الدولية وشريكها الهلال الأحمر العربي السوري للاحتياجات العاجلة للناس.
  • اللجنة الدولية على أهبة الاستعداد لتوسيع نطاق استجابتها بالاشتراك مع الهلال الأحمر العربي السوري وفقًا لتطورات الموقف. وتتركز الاستجابة الرئيسية في المأوى الجماعي في "جبرين" غربي حلب. لكن اللجنة الدولية مستمرة في بذل كل ما بوسعها للوصول إلى المناطق الأخرى التي فرّ الناس إليها، ومن بينها أحياء أخرى في الجانب الشرقي من المدينة.
  • في خضم الفوضى التي يسببها القتال تلوذ العائلات بالفرار مصطحبة غالبًا عددًا ضئيلًا من المتعلقات إن أخذت معها شيئًا على الإطلاق. ويجب ضمان توفير ممر آمن لهم بالإضافة إلى توفير احتياجاتهم الأساسية كالغذاء، والمأوى، ومياه الشرب الآمنة، والرعاية الصحية.
  • فرضت موجة النزوح الأخيرة عبئًا إضافيًا على المآوى الجماعية في الجانب الغربي من حلب التي تتحمل بالفعل أكثر من طاقتها. إذ استقبلت هذه المآوى ما يزيد على 40,000 شخص خلال الفترة بين آب/أغسطس ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر.
  • منذ نشوب القتال في حلب، يعمل موظفو اللجنة الدولية الذين يتجاوز عددهم 55 موظفًا بين سوريين وجنسيات أخرى على مدار الساعة من أجل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية قدر استطاعتهم.

اشترك في نشرتنا الإلكترونية