بيان اللجنة الدولية للصليب الأحمر أمام مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة

ضمن المناقشة المفتوحة حول حماية المدنيين في النزاعات المسلحة

23 آيار/مايو 2018

يلقيه إيف داكور، مدير عام اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

إنه ليشرفني أن أتحدث أمام مجلس الأمن الدولي اليوم حول قضية هي في صميم رسالة اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتفويض الممنوح لها، وهي محورية بالنسبة إلى كافة جوانب عملنا اليومي في النزاعات المسلحة حول العالم.

إن أمنيتي أن نتناول، ولو لمرة واحدة، قضية حماية المدنيين بنبرة إيجابية ومبتهجة؛ أن نتحدث عن حدوث تقدم لافت ونقول إن هذا التقدم على صعيدي المعايير والسياسات قد صار يجسده أخيرًا تحرك على أرض الواقع. نتمنى ذلك، ولكن للأسف، لا نقدر، فلا تزال الفجوة بين كليهما هائلة، والواقع على الأرض يعكس حاجة ملحة لحماية المدنيين.

جميعنا يعلم كيف يبدو الوضع في الواقع. فذاك طفل تيتم وأصيب بإعاقة مستديمة بعد أن دُمر منزل عائلته في غارة جوية، وذاك طبيب يتعرض للتهديد من قبل المقاتلين لتقديمه العلاج لشخص "من الطرف الآخر"، وذاك سجين يقبع داخل سجن مكدس دون إجراءات قضائية تحميه، وتلك امرأة عاشت أعوامًا من العذاب في انتظار أنباء عن زوجها المفقود. أعداد لا تحصى من الرجال والنساء والأطفال الذين يعانون من العواقب طويلة الأمد للنزاعات  المسلحة في كافة مناطق العالم، ولكل منهم قصته المأساوية.

نركز اليوم، كالعادة، على الطريقة المثلى لتقديم الاستجابة لتلك المعاناة الرهيبة، ومنع وقوعها في المقام الأول، وسد الفجوة بين الأقوال والأفعال بحماية المدنيين بشكل فعلي.

إن رسالتنا الأساسية لهي بسيطة وواضحة، مفادها أن الطريقة الوحيدة والأكثر فعالية للحد من المعاناة أثناء الحروب هي إعلاء مبدأ الإنسانية الجوهري، ونحن نحمل في أيدينا بالفعل الأداة التي تمكننا من تحقيق ذلك، ألا وهي القانون الدولي الإنساني، والذي وضع بحيث يصون الحياة والكرامة ولو في أسوأ الظروف.

وما لا يقل وضوحًا هو حقيقة أن مسؤولية احترام القانون الدولي الإنساني، وضمان احترامه، تقع على عاتق الدول.

إن تطبيق القانون لا يعرف الأعذار والاستثناءات مهما بلغ النزاع المسلح من تعقيد، ومهما طال أمده وتشعب، وبغض النظر عن تسمية أو تنصيف أطراف ذلك النزاع.

أن ما نراه غالبًا هو دول وشركاؤها يزعمون أنهم يحاربون أشخاصَا يصنفون "إرهابيين" أو "مقاتلين إرهابيين أجانب"، وهؤلاء يشملون أطفالًا في بعض الأحيان، عوضًا عن الأعداء التقليديين. ما نراه هو إما عدم تطبيق للقانون الدولي الإنساني، أو تطبيقه بشكل مختلف في بعض الأحيان.

كما أن هناك توجه عام نحو إنكار مسؤولية انتهاك القانون الدولي الإنساني- سواء بإنكار المسؤولية المباشرة أو عبر الوكلاء- وإلقاء اللوم على طرف آخر. كل ذلك من شأنه أن يكرس لمناخ الإفلات من العقاب ومفاقمة المعاناة في نهاية المطاف.

لنكن واضحين تمامًا ونقول إن القانون الدولي الإنساني يوفر الحماية لكل من لا يشارك، أو لم يعد يشارك، في الأعمال العدائية. لذلك، فإن انتهاج نهج استثنائي من أي طرف، ولو في خضم انتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني، لا يبرر الرد بشكل غير مشروع. بل على العكس، فالدول ليست مسؤولة عن احترام القانون الدولي الإنساني وحسب، بل هي أيضًا مسؤولة عن ممارسة نفوذها لدى من عاونها ومن تدعمه لضمان مراعاة هذا القانون.

إننا نرى في الكثير من النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وغيرها من المناطق أن الأطراف المتحاربة تتلقى دعمًا ملحوظًا من الدول، بما يشمل الدعم اللوجيستي، أو التدريب، أو التمويل، أو المشاركة الميدانية. فالدول التي تدعم المتحاربين بالسلاح تقع على عاتقها مسؤولية خاصة ولديها تأثير خاص، فهي توفر الأدوات التي قد ترتكب بها الانتهاكات. رسالتنا يجب أن تكون واضحة: لا دعم دون التزام بالقانون. أما التقصير في اتباع القواعد-وهو بالأساس إخفاق للإنسانية- فسينتج عنه كثير من المعاناة التي نراها بشكل يومي في عملنا.

 إنني أود أن أسلط الضوء على أربع مسائل قائمة تمثل لنا مصدر قلق خاص، مع طرح توصيات واضحة لتحسين الوضع على الأرض. المسألة الأولى، والتي تعكس أيضا قلق السيد الأمين العام، تتعلق باستخدام الأسلحة المتفجرة الثقيلة في المناطق المأهولة بالسكان، وما لذلك من أثر بالغ على المدنيين. فاللجنة الدولية للصليب الأحمر، إذ تنشط على الخطوط الأمامية للنزاعات المسلحة كالعادة، تتابع عن كثب العواقب الإنسانية المدمرة لتلك الأسلحة- في سورية، والعراق، واليمن، وأوكرانيا، وأفغانستان، وليبيا، وغيرها.

ومع تحول النزاعات المسلحة إلى النطاق المدني واستطالة أمدها، تتسع رقعة تلك العواقب ويستطيل أمدها، لتمتد لأجيال في بعض الأحوال. وذلك لا يتمثل وحسب في إزهاق الأرواح، وفقدان سبل العيش، وانهيار البنية التحتية والخدمات، ولكن أيضًا في الآثار العقلية البالغة.

إن الحل الواضح ليكمن في تغيير السلوك. فبالنظر لمصادر الخطر الفريدة التي تحيق بالمدنيين في المناطق السكنية، يصبح من الضروري أن تعيد أطراف النزاع المسلح تقييم اختياراتها فيما يتعلق بالسلاح الذي تستخدمه في حروبها بالمناطق الحضرية. ولأجل ذلك، نجدد مناشدتنا للدول وأطراف النزاعات المسلحة بأن تتجنب استخدام الأسلحة المتفجرة ذات الآثار واسعة النطاق في المناطق ذات الكثافة السكانية. ويتضمن "مبدأ التجنب" المذكور افتراض عدم استخدام مثل تلك الأسلحة نظرًا لما تحمله من خطر تعريض المدنيين دون تمييز لآثار وأضرار.

 وينقلنا الحديث عن الإضرار بالخدمات الأساسية وتعطيلها إلى القضية الثانية مثار الاهتمام، إلا وهي حماية الرعاية الصحية.

لقد كان قرار مجلس الأمن رقم 2286 خطوة أولى فارقة باتجاه تطبيق أفضل للقانون الدولي الإنساني القائم الخاص بالرعاية الطبية في النزاع المسلح. إلا أنه وبعد عامين على اعتماده، وفي الفترة ما بين أيار/مايو 2016 ونيسان/أبريل 2018، رصدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ما يفوق 1200 واقعة عنف ضد الرعاية الصحية في 16 دولة، تمثلت في قتل العاملين الطبيين، واختطافهم، وتهديدهم، واعتراض مركبات الإسعاف، وتدمير الإمدادات الطبية أو منعها من المرور عبر الخطوط الأمامية، وقصف المستشفيات ونهبها.

بل إن الفجوة بين الأقوال والأفعال أكثر مأساوية في هذا الصدد. فيتحتم على كافة الدول-وليس فقط تلك المنخرطة في النزاعات- أن تتمسك بالتزاماتها الدولية وتضع حماية الرعاية الصحية كأولوية. ونحن نؤمن أن أفضل الطرق لتحقيق ذلك هو التركيز على المبادرات الوطنية والإقليمية، ويشمل ذلك تبادل الدول لأفضل الممارسات.

ولأجل الدقة، ندعو الدول جميعها إلى اتخاذ الإجراءات الخمسة التالية كأولوية:

1-  مراجعة عقيدتها، وإجراءاتها، وخططها، وأساليبها العسكرية لحماية الرعاية الصحية خلال العمليات العسكرية.

2-  ضمان تمكين تشريعاتها الداخلية للعاملين بالرعاية الصحية من القيام بعملهم بحيادية وفي أمان، وذلك بالتماشي مع القانون الدولي الإنساني وأخلاقيات العمل الطبي.

3-  ضمان دعم العاملين بالرعاية الصحية وتدريبهم في أجواء النزاعات، وكذا بناء قدرات وجاهزية نظام الرعاية الصحية.

4-  تجميع بيانات ذات جودة لتطوير أدوات أفضل لمنع العنف أو الحد من آثاره.

5-  دعم مبادرات تغيير السلوك وسبل التوعية الأخرى الرامية إلى تعزيز احترام العاملين بالرعاية الصحية بشكل عام، وذلك بغية تمكينهم من العمل في أمان ولو في أصعب الظروف.

 أما المسألة الثالثة مثار القلق، سيدي الرئيس، والتي أود أن أسلط الضوء عليها اليوم، فهي سلب الحرية. إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تزور يوميًا مئات أماكن الاحتجاز بمناطق النزاع حول العالم. وفي الكثير من تلك الأماكن، وجدنا أن التعذيب، وكذلك المعاملة والعقوبات القاسية، واللاإنسانية، والمهينة هي القاعدة، وهو ما يترك آثارًا مأساوية على الصحة النفسية والعقلية للمحتجزين. كما يشيع في تلك الأماكن الازدحام الشديد، وهو ما يرجع إلى معدل الاحتجاز المرتفع، والخلل في الإجراءات القضائية، ومحدودية البنية التحتية.

 كما أن أماكن الاحتجاز هي في الأغلب غير آدمية ويصعب السيطرة عليها، وهو ما يخلف أثرًا مجتمعيًا سلبيًا على المدى البعيد، حيث يغذي دائرة النزاعات والانتهاكات.

 إذا فما السبيل لعلاج ذلك؟ على الدول الالتزام باحترام الكرامة الإنسانية في كل وقت، بما في ذلك بداخل مراكز الاحتجاز المؤقتة. كما من الواجب تخطيط السجون وفقًا لقواعد نيسلون مانديلا. أما العاملون بمراكز الاحتجاز، فينبغي أن يحظوا بالتدريب، والإمكانيات، والإشراف المستقل لإدارة أماكن الاحتجاز بشكل ملائم وآدمي. كما يلزم تنفيذ الضمانات القضائية والإجراءات الوقائية فور الاحتجاز وفق القانون ذي الصلة.

 ولزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمراكز الاحتجاز أن تلعب دورًا محوريًا في ضمان معاملة المحتجزين بصورة آدمية، لذا، فإننا ندعو الدول والأطراف الأخرى بالنزاعات المسلحة أن تتيح للجنة الدولية للصليب الأحمر الوصول إلى أماكن الاحتجاز.

 أما المسألة الرابعة والأخيرة مثار القلق، فتتعلق بالأشخاص المفقودين وسط النزاعات المسلحة، والذين لا يستطيع أحد أن يحدد عددهم بشكل مؤكد.

 فإذا نظرنا للعراق وحده، كمثال، فإن التقديرات تشير إلى أن الأشخاص المفقودين ضمن النزاعات السابقة والحالية يتراوح عددهم ما بين الـ 250 ألفًا والمليون. وقد تستمر الأزمة التي يعانيها هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم لسنوات، بل ولعقود.

 إن من حق الناس أن يعرفوا مصير ذويهم المفقودين، فالقانون الدولي يحوي العديد من الأحكام التي تحمي الناس من الذهاب في عداد المفقودين خلال النزاعات المسلحة وتسجيل من فقدوا. كما أن أطراف النزاع ملزمة بتوفير المعلومات وبذل الجهود للم شمل العائلات، بصرف النظر عن هويات تلك العائلات وانتماءاتها.

 كما أن طريقة تناول قضية المفقودين قد يكون لها أثر طويل المدى على المصالحة، والاستقرار، والسلام. وإننا مستعدون للمساعدة تحت أي ظرف، وبمقدورنا دعم أطراف النزاع للوفاء بالتزاماتها، وهو ما سيساعد الناس على إعادة تأسيس حياتهم.

 سنطلق العام الجاري مشروعًا يستمر لأربعة سنوات بمعاونة مجموعة عالمية من الممارسين يهدف لتطوير معايير وممارسات احترافية بهدف تحسين التجاوب مع الأشخاص المفقودين وعائلاتهم.

 سيدي الرئيس؛ السيدات والسادة،

 على الرغم من كآبة الصورة، سيكون من الخطأ، بل ومن الخطير، أن نعتقد بأن القانون الدولي الإنساني قد صار بلا قيمة نظرًا لانتهاكه بشكل دائم، فأي تطبيع للانتهاكات سيكون ذا أثر رهيب على الأشخاص المتأثرين بالنزاع المسلح. وبالمقابل، نؤمن بأن المزيد من التركيز على القانون الدولي الإنساني قد يعزز من الالتزام به.

 نحن حقًا قلقون بشأن الانتهاكات بحق القانون، ولكن ينبغي علينا في المقابل الاعتراف بالأمثلة الإيجابية على احترامه. هذه الأمثلة، بالطبع، نادرًا ما يتم تسليط الضوء عليها.

 لذا، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تنفذ حاليًا مشروع (International Humanitarian Law in Action) القانون الدولي الإنساني في الميدان، والذي نقوم فيه بجمع أمثلة مدعمة بالأدلة على احترام القانون من جانب أطراف النزاعات في أنحاء العالم. ونأمل أن يؤدي ذلك إلى إعادة التأكيد على، وتعزيز، الأثر الإيجابي للقانون الدولي الإنساني على النزاعات المسلحة في الوقت الحاضر.

 سيدي الرئيس،

 أختم بالقول بأنه من الواضح أنه لا يزال أمامنا طريق طويل قبل أن نلمس إنجازات على صعيد المعايير والسياسات فيما يتصل بحماية المدنيين في المناطق التي تحتاج إلى ذلك. وأقصد هنا الإنجازات على الأرض، لا على الورق.

بالتالي، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تدعو الدول للقيام بتحرك حاسم على الأصعدة الأربعة التي أشرت إليها: أن تتجنب استخدام الأسلحة المتفجرة الثقيلة في المناطق المأهولة للسكان، وأن تواجه التهديدات واسعة النطاق للرعاية الصحية، وأن تضمن ظروف احتجاز ومعاملة إنسانية لكافة المحتجزين، وأن تلتزم بحماية الناس من الذهاب في عداد المفقودين، وأن تسجل من فقد منهم بشكل سليم. والمقصود هنا ليس الدول وحسب، بل وشركائها ووكلائها.

 وإننا لنقف إلى جوار الدول وغيرها من أصحاب المصالح بالدعم والإرشاد من أجل اتخاذ إجراءات عملية لتحقيق تلك الأهداف.

 إن التحرك على تلك الأصعدة الأربع سوف يقطع شوطًا كبيرًا في سبيل ضمان حماية أفضل للمدنيين في النزاعات المسلحة في كل مكان، كما أنه سيحقق الكثير باتجاه استعادة ثقتنا في إنسانيتنا.