رؤية أحد معتقلي غوانتانامو:سامي الحاج

31-12-2012 مقال، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 888، بقلم سامي الحاج

رؤى حول اللجنة الدولية للصليب الأحمر

حكايتي مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليست استثنائية .. فهي تكاد تنطق بحال كل من قبعوا أو يقبعون في غيابات غوانتانامو أو أي من سجون الظلم السوداء...لكنّني آمل أن يسهم سردها في تحسين الخدمات الإنسانية للجنة وعلاقتها بالمعتقلين عبر توضيح مفاهيم معيّنة وتقديم بعض المقترحات.

غنيّ عن التعريف تاريخ هذه المنظمة العريقة ودورها في التخفيف من عذابات من يطالهم أذى الحرب والتعذيب والأسر. لكن اسمحوا لي أن أعتبر مؤقتاً أن تاريخ ولادة اللجنة هو يوم بداية حكايتي معها... فحينها عرفتها وعرفتني، واعترفت بها -بعد طول رفض- إذ عرّفتني على منظومة قيمية غابت عن فهمي لهذه المنظمة.

أوّل الحكاية ورقة بيضاء قدّمها لي المحقق الأميركي في باغرام في كانون الثاني/يناير عام 2002، وقد طلب مني حينها كتابة رسالة لأسرتي وتدوين عنوانها.... لم أتعامل مع الموضوع بثقة لأنّني ظننت أنه جزء من التحقيق... الشعور نفسه تملّكني ورفاق الأسر عند لقائنا اللجنة للمرّة الثانية العام نفسه في سجن قندهار، حيث طلب منا مندوبون أن نسرد لهم كيف اعتقلنا ونُقِلنا إلى هناك. لكنّ أولى ومضات التعامل الإيجابي لاحت قبيل حلول عيد الأضحى إذ أحضرت لنا اللجنة نسخاً من القرآن الكريم إلى سجن قندهار، وفي العيد أحضرت لنا الذبائح وكان لذلك أثر إيجابي هائل...هناك من يذكرنا في العيد ويعوّضنا شيئاً من الحرمان في تلك المناسبة العظيمة.

استلمت الرسالة الأولى من أسرتي في أيلول/ سبتمبر 2002، رسالة من الهلال الأحمر القطري وكان معها صورة لمحمّد... طفلي الذي تركته وهو يدرج أولى خطواته في عامه الأوّل...كان شعوراً لا يوصف... مزيج غريب من المواساة والأسى.... ولأنّ الدموع كانت ردّ فعلي الأوّل، أجهش معي في البكاء كلّ رفاق السجن في الزنزانات المجاورة ظنّاً منهم أنّ مكروهاً ما لحق بأسرتي.... استمرّ ذلك لأكثر من ساعة.... لم أقو خلالها لا على التوضيح ولا على فتح الرسالة....مجرّد تلقّيها مصحوبة بتلك الصورة كان ذا وقع جلل... وليس عليّ وحدي!

بعدها أصبح هناك تداول للرسائل مع أسرتي عبر اللجنة، وازدادت ثقتي بها وبدورها مع إيفاد أوّل مندوب عربي من المغرب العربي. وقد زاد من ثقتنا به أنّه حافظ للقرآن.....ولا أذكر هذا هنا لمجرّد السرد، بل للتنويه إلى مفهوم ساد لدينا نحن المعتقلين بأنّ المنظّمة التي تحمل شعار الصليب هي.... "منظمة صليبية"! أنّ الزمالي –مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر-كان مسلماً حافظاً للقرآن صحّح ما كان يدور في دواخلنا من ظنون عن تلك المنظّمة التي لم يسبق أن تعاملنا معها في بلداننا.

ثمّ توالى علينا المندوبون العرب، وكان لذلك أثر إيجابي كبير من حيث التعامل مع اللجنة إذ أن حضورهم كان يمنحنا شعوراً بالراحة والثقة... فهم أبناء جلدتنا وكان يمكن التواصل معهم بشكل أفضل.... الحدّ الأدنى أنّه كان بإمكاننا أن نفهم تعابير وجوههم، وهناك كنّا نلمس مشاعر صادقة وتعاطفاً ليس مصطنعاً.
بعدها أحضرت اللجنة أخصائيين وأطباء. الحصول على العناية الطبّية منحنا شعوراً بالارتياح، وتعزّز ذلك الشعور.مع استقدام قانونيين أجابوا على تساؤلاتنا، وأفضل من هذا كان توفير المكتبة التي أمّنت اللجنة أكثر من عشرة آلاف مؤلَّف من أمهات الكتب  الإسلامية إلى أفضل الروايات البوليسية... ومن  أوجه الاستثمار في هذا الكنز المعرفي الذي حصلنا عليه هو تنظيمنا برنامجاً يمتد من المغرب حتى العشاء، وخلاله كان أحدنا يقرأ كتاباً ويلّخصه للآخرين في حلقات مسائية عدّة.... كنا نقرأ لمن لا يعرفون القراءة وبعضهم بدأ يتقن العربية.... والأهمّ من ذلك كلّه أنّ القراءة واستنفار ها مخيّلاتنا أسهمت بشكل كبير في احتفاظنا بعقولنا! ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ مستشاراً –عربياّ هذه المرّة- جرّدنا من هذه الكتب محذّراً إدارة السجن من أنّها "تخرّج العلماء"... فأحضروا بعدها لنا قصص تان تان وميلو وكتباً تحمل عناوين مهينة مثل "حمار من الشرق"!

ومع ذلك، عزّزت اللجنة من إيجابية التواصل مع المعتقلين عبر تطوير وسائل الاتصال بينهم وبين ذويهم لتشمل الإنترنت والهاتف.

وبناء على ما تقدّم من تجربتي، يمكن الإشارة إلى سلبيات كان يمكن تفاديها في التواصل بين اللجنة والمعتقلين، أوّلها خلق حاجز نفسي وحال من انعدام الثقة باللجنة لدى المعتقل بسبب إيفاد مندوبين من غير العرب.

ثانياً، هناك مسألة شارة اللجنة. بالطبع ليس معقولاً الطلب من المنظّمة استبدال شارتها من أجل بناء جسور الثقة مع متلقّي خدماتها الإنسانية...لكنّه سيكون ذا فائدة جمّة أن تعير اللجنة انتباهها لهذه النقطة وأن تبادر إلى توضيح مسألة الشعار بتقديم شرح تاريخي يبدّد ظنون الجاهلين به، لا سيّما ذوي الخلفيات الإسلامية.

ووفقًا لمنهج السرية الذي تتبناه، تحرص اللجنة على عدم نقل مشاهداتها من داخل غوانتانامو. للوهلة الأولى فقط، يبدو أنّ الخدمات التي نجحت اللّجنة في تقديمها للمعتقلين تستحقّ هذا الثمن الباهظ، لكنّني كمعتقل سابق أجرؤ  على المطالبة  بأن لا يكون صمت اللجنة مطلقاً بل ضمن حدود... هناك ما يمكن –بل يجب- انتقاده صراحة وعلناً  في الإعلام، وليس أوضح من حرمان معتقلي غوانتانامو  من امتيازات اتفاقية جنيف، أو حقّ الدراسة والرعاية الطبّية. المفارقة أنّنا أحياناً كنا نشعر بأنّنا من يحمي مندوبي اللجنة وليس العكس: صمتهم جعلهم ضعفاء بنظر سجّانينا بينما أردنا نحن أن تكون لهم مهابة وأن يحسب لهم حساب...    
من هنا، لا بدّ للّجنة من وضع آلية لتعاون مثمر مع الإعلام الدولي لفضح كلّ الخروق التي تمتهن الكرامة الإنسانية... نجلّ بالتأكيد نجاح الصليب الأحمر في اختراق أسوار غوانتانامو، لكن في زمن يتشدّق فيه الكبار بالديمقراطية وحقوق الإنسان لم يعد مقبولاً الصمت عن وجوده أصلاً... فكيف عمّا يجري بداخله؟!!

تنويه من المحرر:

تحتفظ اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحقها في الإدانة العلنية لانتهاكات محددة للقانون الدولي الإنساني بشرط توفر ما يلي: 1) حدوث انتهاكات جسيمة ومتكررة أو يحتمل تكرارها 2) أن يشهد مندوبو اللجنة الدولية بأنفسهم حدوث الانتهاكات، أو إقرار مصادر معتمدة يمكن التحقق منها بحدوث تلك الانتهاكات وتحديد حجمها 3) فشل المساعي الثنائية السرية أو محاولات حشد الجهود الإنسانية في وضع حد للانتهاكات 4) أن تكون هذه الإدانة العلنية في مصلحة الأشخاص أو السكان المتضررين أو المعرضين للخطر. انظر "العمل الذي تقوم به اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حالة حدوث انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أو غيره من القواعد الأساسية المعنية بحماية الأشخاص في حالات العنف"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، المجلد 87، العدد 858، حزيران/يونيو 2005، ص 397.

سيرة المؤلف

عمل "سامي الحاج" مصورًا بقناة الجزيرة واعتقل لمدة ست سنوات في غوانتانامو. أطلق سراح سامي الحاج عام 2008 وهو يعمل الآن مديرًَا لقسم الحريات العامة وحقوق الإنسان في شبكة الجزيرة.