التطوّرات في سياسة وتشريعات الولايات المتحدة بشأن المعتقلين: موقف اللجنة الدولية

19-10-2006 مقابلة

في مقابلة مع موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على شبكة الإنترنت, يتحدّث رئيس المنظّمة السيد 'جاكوب كيلنبرغر' عن التطوّرات الأخيرة في سياسات الولايات المتحدة وتشريعاتها بشأن المعتقلين في ظل مكافحة الإرهاب.

  س: ما هو رد فعل اللجنة الدولية إزاء التغيرات السياسية والقانونية الأخيرة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة بشأن الأشخاص الموقوفين في ظل "الحرب ضد الإرهاب"؟  

اتخذت حكومة الولايات المتحدة مؤخراً سلسلة من القرارات الجديرة بالاهتمام بشأن اعتقال ومعاملة ومحاكمة الأشخاص المحتجزين لديها. وتشمل هذه القرارات: نشر توجيه لوزارة الدفاع بشأن الاعتقال والدليل الميداني للجيش بشأن الاستجواب, والكشف عن برنامج الاعتقال الخاص بوكالة الاستخبارات المركزية إضافة إلى اعتماد قانون اللجان العسكرية لعام 2006. تدرس اللجنة الدولية بعناية هذه التطورات وتقيم حواراً مع حكومة الولايات المتحدة بشأن تأثيرها القانوني والعملي المحتمل.

ودعونا نتذكّر أنه حتى أيلول/سبتمبر 2006 كانت الولايات المتحدة تقول إنها تعامل معتقليها معاملة إنسانية " تتسق ومبادئ " القانون الدولي الإنساني. ومنذ الحكم الصادر عن المحكمة العليا في قضية'حمدان'في يونيو/حزيران 2006, أقرّت الولايات المتحدة بأن المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف تمثّل معيار الحد الأدنى القانوني المنطبق على الأشخاص المعتلقين في ظل مكافحة الإرهاب.

وفي ظل العقيدة الجديدة, أقرّت وزارة الدفاع بأن المادة الثالثة المشتركة تمثّل معيار الحد الأدنى الملزم قانونياً بشأن المحتجزين لديها. وهذا تطوّر نرحّب به.

  س: ما هي القراءة الأوّلية للجنة الدولية ل "قانون اللجان العسكرية" لعام 2006؟  

يعد قانون اللجان العسكرية تشريعاً معقّداً يتناول نطاقاً واسعاً من القضايا, بعضها يندرج في إطار القانون الوطني بينما يتضمن البعض الآخر تفسيرات للقانون الدولي, بما في ذلك القانون الدولي الإنساني.

وتثير قراءتنا الأوّلية للتشريع الجديد عدداً من الشواغل والأسئلة. إن التعريف الواسع للغاية ل " المقاتل العدو غير الشرعي " إضافة إلى عدم وجود حظر صريح على قبول الأدلة التي يتم الحصول عليها بالإكراه هما مثالان على ذلك.

كما أننا قلقون بالمثل بشأن الطريقة التي أقام بها القانون مستويين من المحظورات من بين تلك المنصوص عليها في المادة الثالثة المشتركة. فالقانون يتضمن قائمة من الانتهاكات التي يسميها " مخالفات جسيمة " للمادة الثالثة المشتركة, وهي قائمة أوسع مما يرد في نص المادة نفسها (أضيف الاغتصاب والتحرش الجنسي والتجارب البيولوجية وتعمُّد إلحاق إصابات بدنية خطيرة). وفي الوقت نفسه, يُغْفِل القانون بعض الانتهاكات من قائمة الأفعال التي تعد جرائم حرب في ظل القانون الوطني للولايات المتحدة. وتشمل هذه الأفعال الاعتداء على الكرامة الشخصية, وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة, والحرمان من الحق في المحاكمة العادلة, والذي يعد ضمانة أساسية يكفلها القانون الدولي. إن هذا التمييز بين مختلف الانتهاكات قد أخلّ بوحدة المادة الثالثة المشتركة.

إن هذه القضايا وغيرها هي موضوع حوارنا المتصل مع الولايات المتحدة. 

  س: ذكرتم المادة الثالثة المشتركة: لماذا هي على هذا القدر من الأهمية؟  

المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف ـ وهي تسمى " مشتركة " لأن نصها أُدْرِج في المعاهدات الأربع المتعلقة بحماية ضحايا الحرب المعتمدة في 1949 ـ وضعت لأوّل مرة قواعدَ لأطراف النزاعات المسلّحة الداخلية. وتحمي هذه القواعد الأشخاص الذين لا يشتركون أو كفوا عن الاشتراك بشكل مباشر في الأعمال العدائية عبر حظر القتل والتشويه والتعذيب والمعاملة القاسية وأخذ الرهائن والاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة. كما يُحْظَر أيضاً إصدار الأحكام دون التزام " جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة " . وتنص المادة على أن الواجبات الواردة فيها تمثّل " حداً أدنى " تلتزم الأطراف بتطبيقه.

ومع مرور الزمن صار يُنْظَر إلى أشكال الحماية المنصوص عليها في المادة الثالثة المش تركة باعتبارها جوهرية للغاية من أجل الحفاظ على الإنسانية في ظل الحرب حتى أن قواعدها يشار اليوم إليها بوصفها " اعتبارات إنسانية أساسية " يجب التزامها في أي نوع من النزاع المسلّح. (وتحتوي بقية اتفاقيات جنيف, المنطبقة فقط على الحروب بين الدول, ضمانات أكثر تفصيلاً تتمتع بها فئات محدّدة من الأشخاص المحميين). ومن ثم فقد أصبحت المادة الثالثة المشتركة خطاً قاعدياً لا يجوز الخروج عليه في جميع الأحوال. وهي تنطبق على معاملة الأشخاص الذين يقعون في قبضة العدو بغض النظر عن الطريقة التي يمكن بها تصنيفهم قانونياً أو سياسياً أو عن هوية الطرف الذي يكونون محتجزين لديه.

  س: لماذا يعد الحفاظ على وحدة المادة الثالثة المشتركة مهماً إلى هذا الحد؟  

كما ذكرنا لتوّنا, تنطبق المادة الثالثة المشتركة على معاملة جميع الأشخاص الواقعين في قبضة العدو بغض النظر عن الطريقة التي قد يتم تصنيفهم بها. وينبغي ألا يكون ثمة شك في أنه لا يجوز حرمان أحد من حمايتها نظراً للأسباب, مهما كانت غير مقبولة, التي دعته إلى حمل السلاح. وينبغي أن نتذكّر أن المادة الثالثة المشتركة, مثل اتفاقيات جنيف ككل, قد صاغها خبراء كانوا قد خرجوا للتو من أشد فصول القرن العشرين, وربما التاريخ البشري كله, قتامة. وسيكون من قبيل الزهو المفرط أن نعتقد أنهم افتقروا إلى الوعي بالانتهاكات المحتملة التي قد تنجم عن الحرب. وقد تمت صياغة جملة أحكام المادة الثالثة المشتركة من أجل الحيلولة دونها.

وقد اعتمدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على المادة الثالثة المشتركة باعتبارها الإطار القانوني الأساسي لعملياتها الميدانية عبر أنحاء العالم. وبوصفنا منظّمة تتمثّل مهمتها في حماية ضحايا الحرب ومساعدتهم, فإن بوسعنا أن نشهد على مركزية المادة الثالثة المشتركة كأداة ترمي إلى تشجيع احترام القانون الإنساني. إن عملنا, إضافة إلى عمل الآخرين المنخرطين في مهمة مماثلة, يستند على حظر القتل والتعذيب والاعتداء على الكرامة البشرية والحرمان من المحاكمة العادلة علاوة على المعايير الأخرى المنصوص عليها في المادة الثالثة المشتركة. ومما يدعم هذا العمل أنه لم تعد هناك حالياً أي دولة في العالم غير طرف في اتفاقيات جنيف.

ولكن مثلما هو الحال بشأن أي فرع من القانون, فإن الإقرار بطبيعته الملزمة قانونياً ليس سوى الخطوة الأولى نحو كفالة الالتزام به عملياً. ومن أجل تخفيف المعاناة في الحرب, فإن ما يجب تغييره هو سلوك الأطراف من الدول وغير الدول. وقد عملت المادة الثالثة المشتركة, ويتعيّن أن تظل تعمل, بوصفها الخط القاعدي القانوني الواضح في هذا المسعى المتواصل.

  س: كيف يتعيّن التعامل مع أشخاص مشتبه في اقترافهم لأعمال إرهابية؟  

إن الأشخاص المشتبه في اقترافهم لأي أفعال جنائية, بما في ذلك أعمال الإرهاب, تتعيّن مقاضاتهم. بيد أنه يجب أن تكفل لهم الضمانات القضائية الضرورية, بما في ذلك قرينة البراءة والحق في أن أن يحاكموا أمام محكمة نزيهة ومستقلة والحق في الاستعانة بدفاع قانوني مؤهّل واستبعاد أية أدلة تم الحصول عليها نتيجة للتعذيب أو غيره من أشكال المعاملة القاسية أو غير الإنسانية أو الحاطة بالكرامة.

وإنني لأظل مقتنعاً بأن مكافحة الإرهاب بكفاءة واحترام هذه القواعد الأساسية هما أمران متوافقان تماماً.

  س: هناك أشخاص تعتقلهم الدول في ظل مكافحة الإرهاب رغم عدم توجيه اتهامات جنائية لهم.  

يسمح القانون الدولي الإنساني باعتقال الأشخاص لأسباب أمنية مُلِحّة في زمن النزاع المسلّح, بشرط التزام بعض الضمانات الإجرائية. كما ينص القانون الإنساني أيضاً على ضرورة الإفراج عن هؤلاء الأشخاص فور انتفاء الأسباب التي دعت إلى اعتقالهم أو, كحد أقصى, عند انتهاء الأعمال العدائية الفعلية في حالة النزاع المسلّح الدولي.

وفي هذا السياق ينبغي أن نكرّر أن اللجنة الدولية تتبع نهجاً يقوم على فحص كل حالة على حداً بشأن التوصيف القانوني لحالات العنف الناجمة عن مكافحة الإرهاب. ونحن لا نعتقد أن القانون الدولي الإنساني هو الإطار القانوني الشامل لكل شيء. إنه يسري فقط على النزاعات المسّلحة. وحيثما لا يصل الوضع إلى مرتبة النزاع المسلّح, فإن فروعاً قانونية أخرى تضبط مدى قانونية احتجاز الأشخاص دون توجيه اتهامات جنائية إليهم.

  س: دائماً ما طالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن يتم إبلاغها بشأن جميع الأشخاص المحتجزين لأسباب تتصل بمكافحة الإرهاب وأن تتاح لها زيارتهم. ما هو الموقف بشأن هذه القضية الآن؟  

ربما كانت هذه هي القضية التي يعد التغيير بشأنها أهم من غيره, إذ أن سلطات الولايات المتحدة قد أقرّت الآن بوجود برنامج الاحتجاز التابع لوكالة الاستخبارات المركزية وأعلنت عن نقل 14 معتقلاً كانوا في السابق محتجزين بمنأى عن الصلة بالغير إلى غوانتانامو, حيث زارهم مندوبو اللجنة الدولية. كما قالت سلطات الولايات المتحدة أيضاً إنه لم يعد هناك أي أشخاص محتجزين في أماكن احتجاز سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية.

وقد أعربت اللجنة الدولية على نحو متكرّر عن قلقها إزاء المحتجزين في أماكن الاحتجاز السرية وطالبت بالسماح لها بالوصول إليهم. ويساور اللجنة الدولية القلق بشأن أي نوع من الاحتجاز السري, إذ يخالف مثل هذا الاحتجاز عدداً من الضمانات المكفولة في ظل المعايير الدولية ذات الصلة.