صفحة من الأرشيف: قد تحتوي على معلومات قديمة

الصحة وحقوق الإنسان في السجون

01-12-2003بقلم هرنان رايس

مقتطفات من كتاب "فيروس نقص المناعة البشري في السجون: قراءات ذات صلة خاصة بالدول الحديثة الاستقلال، الفصل الثاني، ص 9-18، منظمة الصحة العالمية -أوربا "مشروع الصحة في السجون")، 2001.

  المحتويات:  

      مقدمة  
        السجون يمكن أن تكون ضارة بالصحة العامة  
        العنف: واقع يومي في سجون كثيرة  
            حقوق الإنسان والسجناء  
        الصكوك والآليات  
        الحق في الرعاية الصحية وفي بيئة صحية في السجن  
        الرعاية الصحية في السجن: التكافؤ مقابل المساواة  
        الصحة العامة وحقوق الإنسان  
        حماية الصحة العامة مع احترام حقوق الفرد  
        لا بد أن تعمل الصحة العامة وحقوق الإنسان معا  
        ببليوغرافيا  
     

  مقدمة  

" يرسل السجناء إلى السجن كعقاب وليس من أجل العقاب " . تشير عبارة مفوض السجون البريطاني باترسون هذه التي كان يكررها مرارا أن حرمان المرء من حقه في الحرية ينفذ بحبسه في بيئة مغلقة. ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون للاحتفاظ بالفرد تحت تحفظ الدولة آثار ضارة على صحة هؤلاء الأشخاص. ومع الأسف، فإن ذلك هو الحال - بدرجة أو بأخرى - في كثير من سجون العالم. هل يمكن إذن تعريف معنى " بيئة صحية " في السجن، ناهيك عن الحديث عن حقوق السجناء فيما يتصل بأية خدمات صحية ينبغي أن توفرها لهم السلطات الحاجزة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي أن السجناء لهم حقوق غير قابلة للصرف، منحتها لهم المعاهدات والعهود الدولية، ولهم حق في الرعاية الصحية، ولهم حق بكل تأكيد في ألا تصيبهم أمراض في السجن. وموضوع هذا الفصل هو كيف تطبق هذه الحقوق على بيئة السجن الضارة غالبا، وعلى الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري.

   

  السجون يمكن أن تكون ضارة بالصحة العامة  

تهدف سياسات الصحة العامة إلى ضمان أفضل الظروف الممكنة لكل أفراد المجتمع حتى يمكن أن يكون الجميع أصحاء. وكثيرا ما ينسى السجناء في هذه المعادلة. فالسجناء يدخلون ويخرجون من السجون. كما يطلق سراحهم إذا ثبتت براءتهم. إنهم يتنقلون جيئة وذهابا من وإلى السجن أثناء التحقيق ومن أجل المحاكمة. كما أنهم كثيرا ما ينقلون من سجن إلى آخر لأسباب متعددة. ويتصل السجناء بأشخاص مختلفين يدخلون ويخرجون من السجن كل يوم. ويتردد على السجن يوميا حراس السجن، والعاملون به، والموظفون الطبيون، وعمال التوصيل، وفنيو التصليح، ناهيك عن الزائرين من العائلات، والمحامين. وفي النهاية يطلق سراح السجناء السجن بعد قضاء مدتهم، وأحيانا عندم ا يصدر عفو عنهم. وتزيد هذه الدورة والحركة الدائمتان إلى داخل السجن وخارجة من أهمية مكافحة أي مرض معد داخل السجن حتى لا ينقل إلى المجتمع الخارجي.

ويختلف تعاقب السجناء من بلد إلى آخر. وكثيرا ما يكون التعاقب السنوي للسجناء 4-6 أضعاف العدد الفعلي للسجناء الذين يحتجزون في أي وقت بعينه. وبالنسبة لبلد مثل الاتحاد الروسي، الذي يصل فيه عدد السجناء إلى ما يقل قليلا عن مليون في الوقت الحاضر، فإن التعاقب يقترب من نحو 300000 سجين سنويا [1 ] حيث هناك ميل لبقاء كثير من السجناء لفترات أطول من اللازم، خاصة في السجون الاحتياطية قبل المحاكمة. لكل تلك الأسباب، لا يمكن مواجهة قضايا للصحة العامة، مثل الدرن أو فيروس نقص المناعة البشري، إذا لم يؤخذ نزلاء السجون في الاعتبار.

   

  العنف: واقع يومي في سجون كثيرة  

يمكن أن يؤدي العنف والإكراه بين السجناء في كثير من البلدان إلى مخاطر صحية شديدة، إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فقد تحدث اعتداءات بدنية – قد تصل إلى القتل – في السجون التي يعاد إليها السجناء وأحيانا حتى في المستعمرات العقابية. وتحدث اعتداءات بين السجناء وحراس السجن، وربما أكثر بين السجناء أنفسهم. وكثيرا جدا ما لا يتم الإبلاغ عن كل حوادث الاعتداء التي تتم بين السجناء – ولا سيما الاعتداء الجنسي – حيث يشيع في أوساط السجون نوع داخلي من " قانون الصمت(OMERTA) " .

وهناك أسباب كثيرة للعنف في السجون. قد تكون للمصادمات أسباب عرقية أو منافسات بين العشائر والعصابات. كذلك تؤدي ظروف الحياة المنغلقة، غالبا في ظل تكدس، إلى العداوات بين النزلاء. كما تؤدي البيئة المملة للسجن – عدم وجود ما يشغل الذهن والبدن، ليس سوى الملل- يؤدي إلى تراكم الشعور بالإحباط والتوترات. وتفسح هذه البيئة الطريق إلى أنشطة خطرة مثل استعمال المخدرات، والأنشطة الجنسية بين الرجال، والوشم، والأنماط الأخرى من أعمال " أخوة الدم " (انظر الفصل الثالث). ويشارك البعض في تلك الأنشطة لمقاومة الملل، بينما يضطر آخرون إلى المشاركة فيها، في عمل إكراهي من آجل تحقيق سلطة أو مكسب مالي . يمكن أن تؤدي أساليب الحياة الخطرة إلى انتقال الأمراض من سجين إلى آخر، وهو ما يمثل خطورة شديدة على الصحة العامة إذا لم يوقف.

ويتيح العنف في السجون إمكانية الاتصال بالدماء البشرية دون حماية. ومن حسن الحظ، فإن الحالات المسجلة للتلوث بفيروس نقص المناعة البشري من خلال التعرض لجروح مفتوحة قليلة للغاية. وتمثل الأعمال الجنسية دون حماية مع تبادل الإفرازات البشرية التي يحتمل تلوثها خطورة حقيقية. ولا تكون ممارسة الجنس مع الاختراق بين النزلاء دائما بالضرورة اغتصابا بالإكراه - على العكس، إن بيئة السجن العنيفة تؤدي بكثير من النزلاء، خاصة السجناء الضعفاء أو من " طبقات أدنى " ، إلى قبول أعمال جنسية كانوا يتجنبونها تماما في أوضاع أخرى. ومن الواضح أن استخدام المخدرات عن طريق الحقن الوريدي مع الاشتراك في استخدام الإبر والمحاقن دون تعقيم تمثل مشكلة خاصة. وقد يكون الإكراه عاملا ذا صلة إذا أكره بعض السجناء غيرهم على استخدام مخدرات بالحقن والاشتراك في الأدوات الملوثة. ولا بد من تنبيه العاملين الطبيين والحراس بمخاطر هذه الاتصالات وبوسائل تجنب التلوث. والتوعية بتلك المسائل ضرورية إذا أريد مكافحة فيروس نقص المناعة البشري.

إن للسجناء حقا في حمايتهم من هذه الأوضاع الخطيرة في السجن، وفي أن يتوقعوا من السلطات حمايتهم من العنف البدني والجنسي. إن هذا الحق يتجاوز الحق في طلب الحبس في عزلة محمية. وينبغي أن تكون سلطات السجن في وضع يتيح لها ضمان بيئة آمنة للنزلاء جميعا دون الحاجة إلى اللجوء إلى هذه الإجراءات القصوى، وذلك بتوفير العاملين المدربين بأعداد كافية. وتمثل مشكلة العنف في سجون البلدان الحديثة الاستقلال حقيقة واقعة. وقد قامت سلطات السجون بقبول، أو تشجيع، أو تجاهل، أو حتى إنكار، وجود تسلسل هرمي داخلي للسجناء أشبه بنظام طبقي. ويعاقب مثل هذا النظام يعاقب بشدة السجناء من الطبقات الأدنى، ويؤدي في أقصى الحالات إلى تحول بعضهم إلى أهداف جنسية وضحايا للتعسف. ويتجلى اليوم النظام الطبقي ويزداد تعقيدا مع ظهور عصابات المخدرات وزعمائها الذين يتنافسون على السلطة الطبقية المعترف بها. وقد أدى ظهور عصابات المخدرات داخل وخارج السجون إلى تعقيد الوضع بشكل ملحوظ في أوربا الغربية كذلك.

إن الإصابة بأي مرض داخل السجن ليس جزءا من عقوبة السجين. وتزيد أهمية هذه الحقيقة عندما يحتمل أن يكون المرض قاتلا، كما هو الحال مع فيروس نقص المناعة البشري / الإيدز. ويقودنا هذا إلى بحث الحقوق الأساسية للسجين.

   

  حقوق الإنسان والسجناء  

  الصكوك والآليات  

كل بني البشر، وهذا بالتأكيد يشمل السجناء، لهم حقوق معينة غير قابلة للتصرف تقرها الصكوك الدولية المتعارف عليها. وقد تم منذ الحرب العالمية الثانية تقنين وتحديد حقوق الإنسان في معاهدات واتفاقيات. ففي عام 1948، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفيما بعد تم اعتماد عهدين هما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وينص هذان العهدان على أن السجناء لهم حقوق، حتى عند حرمانهم من حريتهم أثناء الاحتجاز. وينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بالتحديد على أنه ينبغي معاملة السجناء المحرومين من حريتهم بإنسانية واحترام الكرامة الكامنة للشخصية الإنسانية " .

وفي عام 1955 ، وضعت الأمم المتحدة في قواعدها الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء معايير تتضمن مبادئ توفير الرعاية الصحية أثناء السجن. وأقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة الـ 94 قاعدة الواردة في القواعد النموذجية الدنيا لحماية السجناء التي تحدد المتطلبات الدنيا للسجناء، وقد امتد في عام 1977 تطبيقها ليشمل السجناء المحتجزين دون أن توجه إليهم أية تهم، أي في أماكن أخرى غير السجون. وقد عززت صكوك إضافية على مر السنين هذه القواعد الدنيا النموذجية لحماية المحبوسين. فاعتمدت الأمم المتحدة في 1984 اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما اعتمدت الأمم المتحدة في عام 1985 القواعد الدنيا النموذجية لإقامة العدل للقصر – التي تدعى " قواعد بكين " ، لحماية المجرمين من صغار السن. وفي 1988 و 1990، اعتمدت الأمم المتحدة مجموعة المبادئ الخاصة بحماية كل السجناء الخاضعين لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، والمبادئ الأساسية لمعاملة السجناء، على التوالي. وعلى المستوى الإقليمي، أقر المجلس الأوربي القواعد الأوربية للسجون في 1987. وتعتبر معاهدات حقوق الإنسان الدول مسؤولة عن أسلوب التصرف أو الفشل في التصرف. إن هيئات الأمم المتحدة والوكالات الإقليمية والوطنية وغير الحكومية مكلفة بمراقبة حقوق الإنسان. ويخضع أسرى الحرب للحماية بواسطة القانون الدولي الإنساني كما جاء في اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949.

ويمثل احترام حقوق الإنسان، حتى الأساسية منها، مشكلة تقليدية في السجون. وفي أوربا على وجه الخصوص، كانت هناك محاولات رئيسية لحماية السجناء من انتهاك حقوقهم الأساسية، كما يتضح من مثال الاتفاقية الأوربية لمناهضة التعذيب. وأنشأ مجلس أوربا هيئة خاصة هي لجنة منع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة بقصد مراقبة سوء المعاملة وأحوال السجناء، بما فيها المسائل الصحية. كذلك تقوم منظمات غير حكومية كثيرة أخرى بمراقبة أحوال السجناء، ولا سيما جميع أوجه الصحة داخل السجون.

   

  الحق في الرعاية الصحية وفي بيئة صحية في السجن  

في إشارة خاصة إلى الصحة، أقر بالفعل في الإعلان العالمي الحق في ظروف " مناسبة للصحة والرفاهية " للجميع. بالإضافة إلى ذلك، ينص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن السجناء لهم حق في أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية. وتنظم القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء توفير الرعاية الصحية لهم. وقد تم استعراض تلك القواعد، إلى جانب جميع الصكوك الأخرى التي تنظم حقوق ولوائح معاملة السجناء، بتوسع والتعليق عليها في نص شامل أصدرته الهيئة الدولية للإصلاح الجزائي. وأصدرت لجنة منع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللإنسانية أو المهينة معايير للخدمات الصحية في السجون (نشرت في تقريرها السنوي لعام 1992). ومؤخرا، في 1998 ، أعلنت لجنة وزراء مجلس أوربا توصيات جديدة تتصل بالرعاية الصحية في السجون.

وإلى جانب الحقوق المدنية والسياسية، ينطبق ما يسمى الجيل الثاني من حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، التي وردت في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على السجناء أيضا. كذلك ينبغي أن ينطبق الحق في الحصول على أعلى مستوى ممكن للصحة على الحالة الصحية والرعاية الصحية للسجناء. ويرتبط هذا الحق في الرعاية الصحية والبيئة الصحية بوضوح، ولا سيما في حالة فيروس نقص المناعة البشري، بحقوق " الجيل الأول " الأخرى، مثل عدم التمييز، والخصوصية، والسرية.

   

  الرعاية الصحية في السجن: التكافؤ في مواجهة المساواة  

لا يمكن للسجناء حماية أنفسهم في أوضاع الاحتجاز، وتقع المسؤولية على الدولة لتوفير الخدمات الصحية وتوفير بيئة صحية.

وتدعو صكوك حقوق الإنسان إلى حصول السجناء على رعاية صحية تكافئ على الأقل الرعاية المتاحة لمن هم خارج السجن. فمن ناحية، كانت الدعوة إلى تكافؤ لا إلى مساواة لأن السجن مؤسسة مغلقة ذات دور وصاية لا يسمح دائما بتوفير نفس الرعاية المتاحة في الخارج. ومن ناحية أخرى، لأنه من الأرجح أن يكون السجين بالفعل في حالة صحية سيئة عند دخوله السجن، ولأن الظروف غير الملائمة في الداخل تجعل الحالة الصحية أكثر سوءا، فكثيرا ما تكون هناك حاجة إلى رعاية صحية وعلاج أكبر في السجن منه في المجتمع الخارجي. بيد أنه اتضحت صعوبة شديدة في توفير الرعاية الصحية الأساسية للسجناء في البلدان التي انهارت فيها النظم الصحية العامة أو حيث تعاني من عدم كفاية مزمن.

وفيما يتصل بالقضية الخاصة بفيروس نقص المناعة البشري، هناك مجالات متعددة تتصل بتوفير تلك الرعاية. فمن واجب السلطات الحفاظ على صحة كل السجناء، والنهوض بالصحة العامة لنزلاء السجون والسكان الخارجيين على حد سواء.

وتنص المعاهدات والاتفاقيات المذكورة أعلاه على التزام سلطات السجن بتوفير ما يلي:

q أماكن معيشة آمنة وصحية لكل السجناء

q حماية الأشخاص من العنف والإكراه

q توفير خدمات الرعاية الصحية والأدوية الكافية، دون مقابل قدر الإمكان

q تقديم المعلومات والتعليم الخاص بإجراءات الوقاية الصحية والأسلوب الصحي للحياة

q تنفيذ إجراءات الوقاية الصحية الأولية

q وسائل الكشف عن العدوى المنقولة جنسيا وعلاجها بغرض الإقلال من مخاطر نقل فيروس نقص المناعة البشري

q متابعة المعالجة الطبية التي بدأت خارج السجن (بما فيها المتعلقة بتعاطي المخدرات)، أو إمكانية بدئها داخل السجن

q توفير حماية خاصة للسجناء المعرضين للخطر، مثل الأشخاص الذين أظهروا اختبارا موجبا لفيروس نقص المناعة البشري، وضد العنف من جانب السجناء الآخرين، أو من الأمراض المعدية التي قد تمثل خطورة كبيرة عليهم، مثل الدرن

q حيثما تتوفر الاختبارات الطوعية لفيروس نقص المناعة البشري، ينبغي دائما تقديمها، بالإضافة إلى المشورة المناسبة قبل الاختبار وبعده.

   

  الصحة العامة وحقوق الإنسان  

   

  حماية الصحة العامة مع احترام حقوق الفرد  

تهتم حماية الصحة العامة في سياق السجون بالنهوض بالصحة وحمايتها، وخفض معدل الإصابة بالأمراض والوفيات بين السجناء والمجتمع ككل. ويشمل ذلك كل العاملين بالسجون (انظر الفصل العاشر)، وأفراد أسر السجناء، والعاملين، والزائرين، بالإضافة إلى المجتمع الخارجي الذي يخرج إليه السجناء في النهاية عند إخلاء سبيلهم.

وفيما يتصل بالأمراض المعدية، قد يشمل تأمين الصحة العامة جمع المعلومات والبيانات الشخصية عن السكان المصابين بفيروس نقص المناعة البشري. ومن الضروري تحديد عوامل الخطر وأشكال السلوك الخطر، وذلك لمعرفة أساليب انتشار العدوى. وهذه المعلومات حيوية لوضع برامج الوقاية (انظر الفصل 4). وتتخذ تلك الإجراءات بصفة روتينية للأمراض الأخرى مثل الدرن والزهري. وفي الماضي، كانت تتبع إج راءات إجبارية مثل العزل والحجر الصحي بصفة روتينية لمكافحة الأوبئة والمخاطر التي تصيب الصحة العامة. ولا شك أن إجراءات معينة قد تقيد السلوك الشخصي من أجل الصالح العام.

وقد كانت تلك الإجراءات الإجبارية موضع جدل في السنوات الأخيرة من تفشي جائحة فيروس نقص المناعة البشري، وبالأخص بسبب مساعي جماعات الحريات المدنية لحماية حقوق الأفراد. وكان هناك ادعاء بأن حماية الصحة العامة لابد لها أن تسير جنبا إلى جنب مع احترام حقوق الإنسان. وقد بين الراحل الدكتور جوناثان مان بطريقة مقنعة أن احترام حقوق المصابين بفيروس نقص المناعة البشري ضروري إذا أريد التعامل مع المرض بشكل فعال. فلو أن الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشري قد تعرضوا للتمييز ضدهم أو إذا لم تحترم سريتهم الطبية، فإنهم ما كانوا ليتطوعون لإجراء الاختبار، ولأصبحوا أقل رغبة في طلب المشورة فيما يتصل بوسائل الوقاية.

وفي بداية ظهور وباء الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري، كانت تجرى الاختبارات بالضرورة دون الكشف عن الهوية لتجنب وصمة كون الشخص موجبا لاختبار الفيروس. وكثيرا ما تكون هناك وصمة حقيقية في السجون للموجبين في اختبار فيروس نقص المناعة أكثر منها في الخارج نتيجة للقصور في معرفة أساليب انتقال العدوى. ولا يزال السجناء والعاملون في السجون يخافون كثيرا من مخالطة أي شخص يثبت أنه موجب في اختبار الفيروس بدافع الخوف من العدوى، والتمييز ضد مدمني المخدرات أو الشواذ جنسيا أو خليط من هذه الهواجس (انظر أيضا الفصل 10). ولا يكون السجناء بوجه عام على دراية بأن العدوى لا تحدث إلا من خلال السلوك الخطر( ويعني ذلك في السجون بصورة رئيسية ممارسة الجنس مع الاختراق، أو الحقن الوريدي بأدوات ملوثة، وربما كذلك من خلال ممارسات أخرى مثل الوشم). ومن الواضح أن خطر الاستبعاد، وحتى الضرر البدني لمثل أولئك السجناء، هو حقيقة واقعية في بيئة السجن.

ورغم وجود المبادئ التوجيهية التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية، التي تقر دون لبس أنه لا ينبغي إجراء الاختبار كإجراء روتيني إجباري (الملحق 1)، فقد كانت الاختبارات تجرى بصورة منتظمة في البلدان الحديثة الاستقلال عندما يمكن تحمل التكلفة، غالبا مع قليل من المعارضة من جانب المعنيين. لذلك، فإن الحكمة من إجراء الاختبارات بصورة منظمة على السجناء محل شك في أفضل الحالات. ففي ب يئة السجن، قد توفر الاختبارات السلبية شعورا كاذبا بالأمان بالنسبة للسلطات والأشخاص على حد سواء لوجود نافذة تمتد ما بين ثلاثة أسابيع وثلاثة أشهر (انظر الفصل 6). ونتيجة للسلوك الخطر أو العنف داخل السجون، لا يوجد ضمان لبقاء السجين السلبي الاختبار سلبيا. كما أن الاختبارات الفردية قد لا يعول عليها، مما يحد أكثر من فائدتها، كما أن تكرار إجراء الاختبارات، حتى وإن أجري طوعا، هو خيار مكلف. وفي بعض السجون العنيفة بشكل خاص، يمكن أن يكون انتهاك السرية فيما يتصل بحالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري عملا يهدد الحياة.

ويؤدي هذا مباشرة إلى موضوع السرية الطبية. إن مفهوم السرية هو حجر الزاوية في الرعاية الطبية في أية علاقة بين الطبيب والمريض. وتقع على الأطباء الذين يعملون مع السجناء مهمة خاصة في ضمان الاحتفاظ بسرية العلاقة بين الطبيب المريض، وألا ينظر إلى الأطباء على أنهم جزء من إدارة السجن. إن الأطباء مسؤولون عن تأمين سريه الملفات الطبية للسجناء التي قد تتضمن معلومات حساسة. وفي النظم التي لا يكون فيها أطباء السجون في وضع فعلي يسمح لهم بضمان الخصوصية، فإن عليهم مراعاة عدم كتابة أي شيء قد يضر مرضاهم من قبل إدارة السجن.

إن القضية حيوية حيثما يتعلق الأمر بفيروس نقص المناعة البشري. فإن لم يقتنع السجين بأن معلومات شخصية بمثل حساسية حالته فيما يتصل بالإصابة بالفيروس ستكون موضع حماية في إطار سرية الملف الطبي، فإنه لن تكون هناك ثقة في العلاقة بين الطبيب والمريض. وإن لم تكن هناك ثقة، فسيفقد الأطباء أي تأثير قد يكون لهم لحماية السجناء الذين يسعون إلي طلب مساعدتهم. ومن المؤسف أن السجون مشهورة بعدم احترام السرية الطبية. قد يدفع الإفشاء غير المناسب لحالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري النزلاء بعيدا عن الخدمات الطبية برمتها، ويجعل الوقاية والتثقيف أمرا أكثر صعوبة. وينبغي ألا يفصح الطبيب بالمعلومات عن حالة السجين بالنسبة للإصابة بالفيروس إلى سلطات غير طبية إلا بشكل محدود ومسؤول وبناء على حاجة ضرورية للعلم. وينبغي احترام حق السجين في السرية الطبية وعدم انتهاكها - كما هو الحال في كثير من الحالات - باسم الضبط والأمن.

وبالتشديد على التثقيف وتدريب الرفقاء، يمكن كسب ثقة السكان عموما والحصول على التعاون في مواجهة وباء فيروس نقص المناعة البشري. ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله في السجون في مجال التثقيف الصحي بشأن فيروس نقص المناعة البشري والإيدز. فهناك حاجة كبيرة لتثقيف وإقناع العاملين الطبيين، وكذلك رؤسائهم المباشرين في إدارات السجون، والسجناء أنفسهم. وفي كثير من البلدان الحديثة الاستقلال ربما لا تزال السلطات الطبية للسجون غير واثقة تماما من أمان إبقاء السجناء الموجبين والسلبيين لاختبار الفيروس معا في مكان واحد. ومن الضروري عند مواجهة فيروس نقص المناعة البشري نقل مفهوم أنه لا ينبغي اللجوء إلى أية قيود على حقوق الإنسان بالنسبة للأفراد إلا كملاذ أخير، مع وجود غرض وهدف واضح في الذهن. وبالإضافة إلىذلك، لا ينبغي مطلقا تقييد حقوق الإنسان الأساسية، ولا ينبغي أن تتضمن القيود أغلبية من السجناء غير ذوي الصلة بالإجراء الذي يتخذ. وينبغي أن يخضع أي إجراء يحد من حقوق الإنسان لتدقيق خارجي وأن يتم استعراضه دوريا لتقييم ما إذا كان فعالا، وما إذا كان مايزال ضروريا. بيد أنه يمكن في بعض الحالات تبرير الحجز الوقائي (نوع ذرائعي من العزل) للسجناء المصابين بفيروس نقص المناعة البشري بغرض الحماية الشخصية لهم، حيث يمكن الاعتداء على النزلاء أصحاب الاختبارات الموجبة للفيروس من قبل الآخرين بمجرد معرفة

وضعهم بالنسبة للإصابة به. وقد كان العزل هو القاعدة وليس الاستثناء، لكن هذا الموقف قد يتغير قريبا، على الأقل في الاتحاد الروسي.

   

  لابد أن تعمل الصحة العامة وحقوق الإنسان معا  

q ينبغي أن يكون تأكيد أي برنامج لمواجهة عدوى فيروس نقص المناعة البشري في السجون على التثقيف. ويحق للسجناء الحصول على معرفة بشأن فيروس نقص المناعة البشري، وكيفية منع انتقاله (تناقش أنشطة التثقيف والوقاية في الفصل 5). وينشأ تضارب ظاهري بين ضرورة إبلاغ النزلاء والعاملين على السواء بمخاطر السلوك الخطر، بل وإتاحة وسائل الوقاية لتجنب العدوى، مع عدم الظهور بالتغاضي عن ذلك السلوك.

q الهدف المشترك لسياسات الصحة العامة وحقوق الإنسان هو منع انتقال فيروس نقص المناعة البشري، وذلك بتحسين الصحة للجميع بوجه عام، وفي الوقت نفسه ضمان احترام حقوق الإنسان وكرامة المصابين بالفعل والمحتاجين إلى علاج.

q ينبغي أن يكون أطباء السجون قادرين على العمل بصورة مستقلة، وليس كأدوات للإكراه في إطار نظام السجن.

q يجب احترام مبدأي الموافقة والسرية لضمان سعي كل السجناء وراء المشورة الطبية فيما يتصل بفيروس نقص المناعة البشري/ الإيدز، عن طيب خاطر.

q إن تقديم المشورة المناسبة قبل إجراء أي اختبار طوعي للكشف عن فيروس نقص المناعة البشري يكفل الثقة في العلاقة بين الطبيب والمريض. كما ينبغي أن تتاح المشورة للسجناء بعد معرفة نتيجة الاختبار .

q ينبغي حفظ سرية نتائج الاختبار للفيروس، ولا تبلغ النتائج لأي أشخاص غير طبيين إلا على أساس صارم للحاجة للعلم، مع علم وموافقة المريض المعني قدر الإمكان.

وكثيرا ما تكون البيئة الإنسانية في السجون هي بيئة عنف وأسلوب حياة عالي المخاطر، ينخرط فيها طواعية سجناء في مراكز قوة، أو ت فرض على السجناء الضعفاء. إن للسجناء حق في العيش في ظروف تضمن أمنهم كأفراد. ومن المهم جدا لإدارة السجن أن تكون لديها معرفة تامة بكيفية انتشار فيروس نقص المناعة البشري في سجن بعينه. فإذا كان الإكراه الجنسي و/أو العنف هما القضية الرئيسية، وجب فرض مراقبة أفضل وتدخل نشط لحماية السجناء المستهدفين. وإن كان حقن المخدرات والمشاركة في استخدام أدوات الحقن من المشكلات الرئيسية، فقد لا يكفي التثقيف النشط. وقد يكون من الضروري اتخاذ إجراءات لمنع الإكراه من قبل زعماء عصابات المخدرات الذين قد يسعون إلى إجبار السجناء الآخرين على شراء المخدرات وتعاطيها بطريق الحقن، كما يجب تنفيذ برامج لعلاج الإدمان وإجراءات لتخفيف الضرر بالنسبة للسجناء المدمنين. ولا ينبغي حرمان النزلاء أصحاب الاختبارات الموجبة لفيروس نقص المناعة البشري من الحصول على الترفيه أو التثقيف أو الاتصال الطبيعي بالخارج. ومن الوجهة الطبية الخالصة، ليس هناك أي مبرر للعزل طالما كان السجين معافى. وينبغي تحريم الحبس الانفرادي للنزلاء أصحاب الاختبار الموجب للفيروس. وينبغي أن تكون أي قيود هي الاستثناء، مثل الاختبار الجبري في الحالات الخطرة بوجه خاص، من قبيل الاختبار الجبري للحالات العلية المخاطر ، مثل ال سجناء الذين يعملون كعمال طبيين في المستشفيات أو عيادات الأسنان. ولا شك أن السجناء الذين يعملون في أماكن أخرى ويمثلون خطورة أقل، مثل المغاسل أو المطابخ أو كعمال نظافة، قد يتعرضون أيضا لحدوث جروح، وبالتالي احتمال العدوى بالفيروس (انظر الفصل 10). ويناقش الفصل 7 مسألة حماية السجناء أصحاب الاختبارات الموجبة للفيروس من السجناء الآخرين الذين يحملون أمراض معدية أخرى مثل الدرن. وقد تكون هناك أيضا اعتبارات للأمن الشخصي عندما، على سبيل المثال، يطلب سجناء معروفون بكونهم موجبين لاختبار الفيروس وضعهم في وحدة آمنة خوفا على سلامتهم.

إن إصلاح السجون والإصلاح الجنائي كلاهما عنصران حيويان إذا أريد حل المشاكل الكثيرة التي تؤثر في سجون أوربا الشرقية وبلدان الاتحاد السوفيتي السابق. ويتيح خفض العدد الكلي لتعداد السجناء تحسين الظروف المادية وظروف العمل في السجون، ويساعد على ضمان أمن جميع المحتجزين. ومن الواضح أنه سيكون من الضروري تخصيص الموارد المالية لنظم السجون. ومن الوسائل الفعالة للحد من الزيادة في تعداد السجناء توفير بدائل للسجن في حالة المذنبين الذين لا يتميزون بالعنف.

   

  ببليوغرافيا  

  Ethical Codes and Declarations Relevant to the Health Professions , 4th rev ed, London, Amnesty International, 2000.

GRUSKIN, S. et al. Special Focus: HIV/AIDS and human Rights, Health and human Rights , 2 (4): 1-60 (1998).

JـRGENS, R. HIV/AIDS in Prisons: final Report . Montreal, Canadian HIV/AIDS Legal Network & Canadian AIDS Society, 1996 pp. 81 – 88 (Responsibility of prison systems).

KALININ, Y., Deputy Minister of Justice of the Russian Federation, Keynote address at 4th European Conference of Drug and HIV/AIDS Services in Prison, Hamburg, Germany, 22-25 Nov. 2000.

  Making Standards Work , The Hague, Penal Reform International, 1995 (available in several languages, including Georgian and Russian).

MANN, J. et al. Health and Human Rights: a Reader . New York, Routledge, 1999.

  Medical ethics today: its practice and philosophy . London, British Medical Association, 1993.

  Recommendation R (98) 7 of the Committee of Ministers concerning the Ethical and Organizational aspects of Health Care in Prisons . Strasbourg, Council of Europe, 1998.

  Recommendation R (99) 22 of the Committee of Ministers concerning prison overcrowding and prison population inflation . Strasbourg, Council of Europe, 1999.

REYES, H. HIV prevention in prisons: How useful exactly is condom distribution ? Paper delivered at the 4th European Conference on Drug and HIV/AIDS Services in Prison, Hamburg, 22-25 November 2000.

REYES, H. SIZOs, colonies and prisons: an introduction to the penitentiary system of the Russian Federation . Geneva, International Committee of the Red Cross, 1997 (internal document).

  The Human Rights Watch Global Report on Prisons . New York, Human Rights Watch, 1993.

  حاشـــية  

     

    A. Goldfarb, Public Health Research Institute, NY, personal communication 1)



أقسام ذاتصلة