البروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة الملحق باتفاقية حقوق الطفل

30-09-2000 مقال، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد839، بقلمدانيال هيل

على إثر خمس جلسات عقدت خلال السنوات السابقة وأسبوعين من المفاوضات خلال الفترة من 10 إلى 21 يناير/كانون الثاني 2000, اعتمدت " مجموعة العمل المنعقدة بصورة متواصلة بين الجلسات " التابعة للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة نص مشروع البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة. عُرِض مشروع البروتوكول رسمياً على لجنة حقوق الإنسان في أبريل/نيسان 2000, وسيُقدّم إلى الجمعية العامة عبر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لاعتماده رسمياً في يونيو/حزيران 2000. وسوف يظل مشروع البروتوكول مفتوحاً للتوقيع عليه بعد ذلك, حيث يدخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر من توقيع عشر دول عليه

وتقدم هذه الورقة عرضاً وجيزاً لخلفية تطوير البروتوكول الجديد, وهي تبحث المواد الأربع الأولى منه على ضوء أحكام أخرى للقانون الدولي والموقف المعتمد من جانب الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر

  الخلفية  

إلى جانب الحماية العامة المكفولة للأطفال عبر الصكوك العامة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني يحظى الأطفال أيضاً بالحماية التي توفرها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989, التي صدقت عليها كل دول العالم تقريباً. [1 ] وتتصل المادة 38 من الاتفاقية مباشرة بحماية الأطفال المتأثرين بالنزاع المسلح, حيث تنص على ما يلي:

 

1-  تتعهد الدول الأطراف بأن تحترم قواعد القانون الدولي الإنساني المنطبقة عليها في النزاعات المسلحة وذات الصلة بالطفل وأن تضمن احترام هذه القواعد.

2-  تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن ألا يشترك الأشخاص الذين لم تبلغ سنهم خمس عشرة سنة اشتراكا ً مباشراً في الحرب.

3-  تمتنع الدول الأطراف عن تجنيد أي شخص لم تبلغ سنه خمس عشرة سنة في قواتها المسلحة. وعند التجنيد من بين الأشخاص الذين بلغت سنهم خمس عشرة ولكنها لم تبلغ ثماني عشرة سنة, يجب على الدول الأطراف أن تسعى لإعطاء الأولوية لمن هم أكبر سناً.

4-  تتخذ الدول الأطراف, وفقاً لاتزاماتها بمقتضى القانون الدولي الإنساني بحماية السكان المدنيين في النزاعات المسلحة, جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح.

منذ البداية تعرضت المادة 38 لانتقادات مهمة وذلك لسببين. أولاً لأنها تعد النص الوحيد في الاتفاقية الذي يشذ عن الثامنة عشرة كحد أدنى عام للسن, وذلك رغم أنه يتناول أحد الأوضاع الأشد خطورة التي قد يتعرض لها الأطفال, ألا وهي النزاعات المسلحة. وثانياً, وفيما يتصل بحظر التجنيد والاشتراك, كادت هذه المادة تقتصر على تكرار نص المادة 77 من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المنطبق على النزاعات المسلحة الدولية. وبذلك فإن المادة 38, إلى جانب عدم إتيانها بجديد, من شأنها أن تصرف الانتباه عن القاعدة الأقوى الواردة في البروتوكول الثاني الإضافي إلى اتفاقيات جنيف الذي يوفر حظراً أوفى وأشمل فيما يتصل بالنزاعات المسلحة غير الدولية. [2 ] وفي ظل هذه الخلفية وعلى ضوء الوعي والاهتمام المتزايدين داخل المجتمع الدولي بالمحنة القاسية للأطفال المتضررين بالنزاعات المسلحة, اتُخِذت مبادرة في إطار نظام الأمم المتحدة بعد سنوات قليلة فقط من دخول اتفاقية حقوق الطفل حيز التنفيذ من أجل رفع الحد الأدنى لسن التجنيد والاشتراك في الأعمال العدائية إلى 18 سنة.

 

جاءت هذه المبادرة إلى حد كبير متسقة مع الموقف الذي اعتمدته الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر التي بدأت في عام 1993 تطوير خطة عمل ترمي إلى تطوير أنشطة الحركة لصالح الأطفال. [3 ] وتتضمن خطة العمل الصادرة في عام 1995 التزامين أولهما هو " تعزيز مبدأ عدم مبدأ عدم التجنيد وعدم الاشتراك في النزاعات المسلحة للأطفال دون الثامنة عشرة من العمر " . [4 ] وفي العام نفسه أوصى المؤتمر الدولي السادس والعشرون للصليب الأحمر والهلال الأحمر في أحد قراراته بأن " تتخذ أطراف النزاع كل التدابير الممكنة لكي تضمن عدم اشتراك الأطفال دون الثامنة عشرة من العمر في الأعمال العدائية " . [5 ]

 

وإلى جانب منظمات ودول أخرى عديدة أعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن دعمها لتطوير بروتوكول اختياري لاتفاقية حقوق الطفل. وقد طرحت اللجنة الدولية رأيها عبر المنتديات الدولية (من خلال كلمات أدلت بها أمام لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والجمعية العامة) كما شاركت بنشاط في عملية الصياغة وذلك بالأساس عبر إعداد وثيقة شاملة طرحت موقف اللجنة الدولية حول بعض القضايا الأساسية محل النظر. [7 ]

  مضمون بعض الأحكام الأساسية للبروتوكول الاختياري وتقييمها  

نتناول أدناه مضمون بعض أحكام البروتوكول الاختياري فضلاً عن تحليل موجز للقضايا المثارة وتقييم لها.

المادة 1

تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الممكنة عملياً لضمان عدم اشتراك أفراد قواتها المسلحة الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر اشتراكاً مباشراً في الأعمال الحربية.

يتعين اعتبار هذا الحكم أهم أحكام مشروع البروتوكول الجديد. إن رفع الحد الأدنى لسن الاشتراك في الأعمال العدائية من خمس عشرة إلى ثماني عشرة سنة يمثل تقدماً واضحاً بالنسبة لما يوفره القانون الدولي من حماية كما أنه يعزز النزعة الراهنة نحو إبقاء الأطفال جميعاً بمنأى عن أهوال النزاع المسلح, وعن الاشتراك في الأعمال العدائية على وجه الخصوص. ومن بين الصكوك الأخرى التي تعكس هذه النزعة نذكر الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاه الطفل لعام 1990 واتفاقية منظمة العمل الدولية لعام 1999 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والعمل الفوري من أجل القضاء عليها (انضمت إلى هذه الاتفاقية 182 دولة).

ومن الناحية العملية فإن المعيار الجديد من شأنه أيضاً أن يمنع اشتراك الأطفال دون الخامسة عشرة في الأعمال العدائية, فعلى حين أنه ربما كان بوسع القادة العسكريين في السابق أن يزعموا أن مثل هؤلاء الأطفال بين صفوفهم قد بلغوا الخامسة عشرة فعلاً ولكنهم يبدون فقط أصغر من سنهم الحقيقي (بسبب سوء التغذية طويل المدى مثلاً), فإنه سوف يكون واضحاً الآن أنهم على الأقل لم يبلغوا الثامنة عشرة.

ويتعين مع ذلك الإشارة إلى نقطتي ضعف بالنسبة لنطاق الالتزام الوارد في المادة 1. تتصل نقطة الضعف الأولى بطبيعة الالتزام المفروض على الدول, وهو التزام يتعلق بالسلوك لا بالنتائج. فوفق نص المادة يتعين على الدول أن " تتخذ جميع التدابير الممكنة عملياً لضمان " عدم اشتراك الأطفال, وهي صياغة تتفق إلى حد كبير مع مثيلتها الواردة في البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف. [7 ] وربما كان يمكن أن يتمتع الأطفال بحماية أكبر لو كانت الدول قد التزمت بأن " تتخذ جميع التدابير الضرورية " من أجل هذا الهدف أو, وهو أفضل, إذا كان عليها التزام بـ " كفالة " عدم حدوث مثل هذا الاشتراك. وإنه لمن المأمول أن لجنة حقوق الطفل سوف تعتمد تفسيراً صارماً عند استعراضها لما إذا كانت الدول قد اتخذت جميع " التدابير الممكنة عملياً " نحو الهدف المذكور.

وتتمثل نقطة الضعف الثانية في مقدار الحماية المكفولة للأطفال إزاء الاشتراك في الأعمال العدائية. ووفقاً للنص, فإنهم يحظون بالحماية إزاء " الاشتراك المباشر في الأعمال الحربية " . وكما لاحظنا أعلاه فإن هذا النص أضعف من الفقرة الموازية في البروتوكول الإضافي الثاني التي تستبعد أية مشاركة من خلال النص ببساطة على عدم جواز الاشتراك في الأعمال العدائية " بالنسبة للأطفال.

لا يتسع هذا المقال للاستعراض التفصيلي للمصطلحات القانونية العديدة المستخدمة لتعريف مختلف أشكال الاشتراك في الأعمال العدائية والتمييز بينها. غير أن الأمثلة التالية للاشتراك غير المباشر في الأعمال العدائية الذي لا يبدو أن البروتوكول الجديد يحظره ـ وتشمل هذه الأشكال تحديداً " الاشتراك في عمليات عسكرية مثل جمع المعلومات أو نقل الأوامر أو نقل الذخائر والمؤن الغذائية أو القيام بأعمال التخريب " [8 ] ـ من شأنها أن تدلل على أن الأطفال قد يظلوا عرضة لمخاطر كبيرة في ميدان القتال حتى بعد دخول البروتوكول حيز التنفيذ. ولا حاجة بنا إلى القول بأن اشتراك الأطفال في مثل هذه الأنشطة على خط الجبهة يعرضهم على نحو بالغ لخطر الإصابة البدنية والصدمة النفسية, وهو خطر قد لا يقل كثيراً عن ذلك الذي يمكن أن يتعرضوا له إذا ما " اشتركوا مباشرة " في الأعمال العدائية.

وجدير بنا أن نلاحظ أن صياغة أخرى تستلهم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كان من شأنها أن تكفل حماية أفضل, غير أنها لم تحظ بالإجماع داخل فريق العمل ومن ثم لم يتم الاحتفاظ بها. [9 ]

المادة 2

تكفل الدول الأطراف عدم خضوع الأشخاص الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر للتجنيد الإجباري في قواتها المسلحة.

يمثل رفع الحد الأدنى لسن التجنيد الإجباري من خمس عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة تقدماً واضحاً أيضاً مقارنة بما هو قائم. فالحماية الراهنة التي تكفلها الفقرة الثالثة من المادة 38 من اتفاقية حقوق الطفل والفقرة الثانية من المادة 77 من البروتوكول الثاني الإضافي إزاء تجنيد الأطفال بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر ضعيفة إذ أن الدول الأطراف عليها فقط أن " تسعى " لإعطاء الأولوية لمن هم أكبر سناً.

وتعد المادة 2 تكملة مهمة لحظر الاشتراك في الأعمال العدائية, فطالما أن الأطفال يتم تجنيدهم ويحصلون على التدريب العسكري فسوف يكون استخدام مهاراتهم في حالة وقوع نزاع مسلح أمراً مغرياً, خاصة إذا كانوا منضمين إلى وحدات عسكرية نظامية وكانت الأزمة على درجة من الاحتدام تقتضي استخدام كافة القدرات المتاحة. ومن ثم فإن منع وجود الأطفال في الوحدات العسكرية يعد ضمانة مهمة لتجنب اشتراكهم في الأعمال العدائية.

ذهب البعض في مناسبات عدة إلى أن القانون الدولي الإنساني يعتبر أن الطفل هو الشخص الذي لم يبلغ الخامسة عشرة من العمر, بل قيل بأنه سوف يكون من المناقض لذلك الفرع من القانون اعتبار الطفل هو الشخص الذي لم يبلغ الثامنة عشرة. والواقع أنه من الصحيح أن نلاحظ أن القانون الدولي الإنساني, على العكس من قانون حقوق الإنسان, لا يتضمن أي تعريف للطفل, وهو الأمر الذي يمكن رده إلى غياب التفاهم المشترك بين المندوبين خلال المفاوضات المبكرة حول حد السن الذي يتعين اعتماده. ومن أجل الوصول إلى إجماع فيما بينهم جرى تعمد عدم النص على سن محددة في مختلف الصكوك القانونية.

 

غير أنه سوف يكون من الخطأ مع ذلك أن نستنتج من القانون الإنساني القائم أنه يحول دون اعتبار أشخاص تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر أطفالاً. وقد تجدر الإشارة إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة مثلاً تستخدم أعماراً مختلفة عند توفيرها للحماية الخاصة للأط فال, وذلك وفقاً للاحتياجات المحددة التي يسعى القانون لتلبيتها في السياقات المختلفة. هكذا تتراوح الأحكام بين الرضع حديثي الولادة (حالات الحضانة) مروراً بالأطفال دون السابعة من العمر (النص على حقهم وحق أمهاتهم في الحصول على الرعاية الطبية في المستشفيات واللوذ بالمناطق الآمنة) والأطفال دون الثانية عشرة (حمل لوحات تحقيق الهوية لإمكان التحقق من هويتهم في حالة افتراقهم عن عائلاتهم بسبب القصف أو الفرار مثلاً) والأطفال دون الخامسة عشرة (بالنسبة مثلاً للحصول على إمدادات الإغاثة والمقويات المخصصة للأطفال) وصولاً إلى الأطفال دون الثامنة عشرة (الحماية إزاء العمل الإجباري وعقوبة الإعدام).

وعلى أساس تحليل النصوص بوسعنا أن نلحظ أنه عندما يستخدم القانون عبارة مثل " الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر " فإن ذلك يعني أيضاً أنه قد يكون هناك أطفال فوق الخامسة عشرة من العمر. وفيما يتصل بالمعاملة التفضيلية للأطفال فوق هذه السن يستخدم القانون عبارات مثل " الأشخاص الذين يقل عمرهم من الثامنة عشرة " . إن هذه الصياغة تتجنب إمكانية الاستنتاج بوجود أطفال فوق سن الثامنة عشرة لكنها لا تستبعد في المقابل اعتبار الأشخاص دون هذه السن أطفالاً. وإضافة إلى ذلك فإن المادة 77 من البروتوكول الأول الإضافي المعنونة " حماية الأطفال " تتضمن حماية الأشخاص الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة. وبالمثل فإن التعليق على اتفاقية جنيف الرابعة الذي نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر يسرد الأحكام الخاصة بالأشخاص دون الثامنة عشرة من العمر بين الأحكام التي تنص على معاملة تفضيلية للأطفال [10 ] .

وحينما يستخدم مصطلح " الأطفال " في أحد الأحكام دون تحديد للسن يتعين تحديد السن المعني في كل حالة محدداً على ضوء المصلحة التي تجري حمايتها, وسوف تكون النتيجة التي يتم الوصول إليها ذات صلة فقط بالحكم المحدد الجاري بحثه. أما اعتماد مفهوم عام " للطفل " في حالة غياب التعريف بوصفه مصطلح يشير فقط إلى من هم دون الخامسة عشرة من العمر, فإنه سيكون أمراً ضاراً بمصالح الطفل ومن ثم غير متسق مع روح القانون الدولي الإنساني. [11 ]

المادة 3

1.  ترفع الدول الأطراف الحد الأدنى لسن تطوع الأشخاص في قواتها المسلحة الوطنية...

3. تق وم الدول الأطراف التي تسمح بالتطوع في قواتها المسلحة الوطنية دون سن الثامنة عشرة بالتمسك بالضمانات لكفالة (...) ما يلي:

أن يكون هذا التجنيد تطوعاً حقيقياً (...) ويتم بموافقة مستنيرة...;

أن يقدم هؤلاء الأشخاص دليلاً موثوقاً به عن سنهم...

5. لا ينطبق اشتراط رفع السن المذكور في الفقرة 1 من هذه المادة على المدارس التي تديرها القوات المسلحة في الدول الأطراف أو تقع تحت سيطرتها... "

يرفع هذا النص الحد الأدنى لسن التطوع بسنة واحدة على الأقل بموجب الإعلان الذي تسلمه الدول عند انضمامها إلى البروتوكول الجديد. وبكلمات أخرى فإن الحد الأدنى لسن التطوع سوف يصبح ستة عشر عاماً من الآن فصاعد.

وعلى حين أن رفع الحد الأدنى الراهن البالغ خمسة عشر عاماً يستحق في حد ذاته أن يكون موضع ترحيب, فإن المادة 3 تضعف أيضاً إلى حد كبير الحماية التي تكفلها المادة 2 بل ومجمل الحماية التي يكفلها البروتوكول في الواقع. والسبب في ذلك على وجه الخصوص هو أنه قد يكون من الصعب عملياً تحديد ما إذا كان الأطفال الجنود قد تم تجنيدهم تطوعاً أم لا.

وتعد الضمانات المنصوص عليها للتأكد من الطابع الطوعي فعلياً للتجنيد ومن عدم تجنيد أطفال دون الحد الأدنى للسن من السمات الإيجابية لهذا النص, بيد أنه قد يصعب تطبيقها عملياً. وعلى سبيل المثال ففي عدد من البلدان النامية المتأثرة بالنزاعات المسلحة, ربما كان الوفاء بمطلب توفير " دليل موثوق به عن السن " المنصوص عليه محل شك, حيث أن نظم تسجيل المواليد كثيراً ما تكاد تنعدم.

وإضافة إلى ذلك فإن الحماية المنصوص عليها في الفقرات الأولى من المادة 3 تعاني من استثناء مهم إذ أن اشتراط رفع سن التطوع لا ينطبق على المدارس التي تديرها القوات المسلحة أو تقع تحت سيطرتها. لقد بررت وفود عديدة السن الأصغر المحدد للتطوع والاستثناء الذي تتمتع به المدارس العسكرية باعتبارهما إجراءين ضروريين لتوفير أعداد كافية من المتقدمين من ذوي المؤهلات المطلوبة للوفاء باحتياجات جيوشهم الوطنية. وجرى التأكيد في هذا الشأن على أن النظام الذي يعتمد على الخدمة التطوعية للأشخاص دون الثامنة عشرة من العمر أفضل من نظام التجنيد الإجباري لمن هم فوق هذه السن, كما أن المدارس العسكرية كثيراً ما تمثل واحدة من الفرص القليلة المتوافرة أمام صغار السن في البلدان الفقيرة للحصول على تعليم عالٍ.

وعلى حين أنه يمكن تفهم مثل هذه الاعتبارات فربما كان من الأفضل توفير التجنيد التطوعي والتعليم العسكري عبر وسائل بديلة, عن طريق مثلاً إتاحة إمكانية المستقبل الوظيفي والتعليم العسكري عبر مؤسسات لا تعد جزءاً من القوات المسلحة للدولة. كما أن صياغة الحكم تسمح بإمكانية التحايل على الحد الأدنى لسن التجنيد وكذا اعتبار هؤلاء التلاميذ أعضاء بالقوات المسلحة ومن ثم أهداف عسكرية. ومما لا شك فيه أن هذا الانحراف عن " هدف الثامنة عشرة الصريح " الذي سعت نحوه وفود عديدة يضعف بشدة آفاق الحيلولة دون اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة في المستقبل.

المادة 4

1. لا يجوز أن تقوم المجموعات المسلحة المتميزة عن القوات المسلحة لأي دولة في أي ظرف من الظروف بتجنيد أو استخدام الأشخاص دون سن الثامنة عشرة في الأعمال الحربية.

2. تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الممكنة عملياً لمنع هذا التجنيد والاستخدام, بما في ذلك اعتماد التدابير القانونية اللازمة لحظر وتجريم هذه الممارسات.

3. لا يؤثر تطبيق هذه المادة بموجب هذا البروتوكول على المركز القانوني لأي طرف في أي نزاع مسلح.

وفقاً لهذا النص لا يجوز للكيانات من غير الدول أن تجند الأطفال سواء اجبارياً أو تطوعياً ولا أن تجعلهم يشتركون في الأعمال العدائية, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

إن هذا النص إيجابي من حيث إشارته إلى عزم الدول ضبط سلوك الكيانات من غير الدول ومن ثم تناول أيضاً حالات النزاعات المسلحة غير الدولية. وقد دعمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بقوة قضية إدراج الكيانات من غير الدول في البروتوكول الجديد, وذلك بالنظر إلى أن انخراط الأطفال في النزاعات المسلحة غير الدولية لا يقل دموية وترويعاً بالنسبة للأطفال المعنيين مقارنة بانخراطهم في النزاعات الدولية. كما أن الانتشار الأوسع فيما يبدو لظاهرة الجنود الأطفال في النزاعات المسلحة الداخلية يؤكد أيضاً على الحاجة لتناول تلك الحالات.

غير أن المادة 4 صيغت بطريقة تدع مجالاً للشك في مدى فعاليتها من حيث منع تجنيد واش تراك الأطفال في حالات النزاع  المسلح الداخلي, وذلك بالأساس لأن تعبير " لا يجوز " مقارنة بتعبير " يُحْظر " يبدو وكأنه يفرض واجباً أخلاقياً وليس التزاماً قانونياً بموجب القانون الدولي. ويبدو في هذا الخصوص أن هذه الصياغة تم تفضيلها بدافع حرص العديد من الدول على عدم تجاوز المنهج الكلاسيكي للقانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يرى أن الدول وحدها تقع عليها التزامات بموجب قانون حقوق الإنسان, على حين أن سلوك الكيانات من غير الدول يتعين أن يحكمه القانون الوطني. [12 ] غير أن القمع الجنائي في ظل القانون الوطني الذي تكفله المادة 4 ليس من المرجح أن يكون ذا فاعلية تذكر, وذلك أولاً لأن أولئك الذي يرفعون السلاح ضد الحكومة القانونية لأحد البلدان يعرضون أنفسهم بالفعل لعقوبات القانون الأشد قسوة ومن ثم فإن التهديد المتمثل في عقوبات جنائية (إضافية) بسبب تجنيد الصغار قد لا يكون محل قلق كبير من جانبهم, كما أن قدرة الحكومات على إعمال قانونها الوطني محدودة للغاية في الكثير من حالات النزاع المسلح غير الدولي المعاصرة.

ورغم حرص الحكومات على عدم الإضافة إلى الخلط الذي قد يكون قائماً بشأن الأشخاص المسؤولين في ظل القانون الدولي لحقوق الإنسان, فإنه يبدو أن النص على التزام قانوني مباشر للكيانات من غير الدول في ظل البروتوكول الجديد كان أمراً ممكناً. إحدى السبل الممكنة كانت تعريف تجنيد الأشخاص دون سن الثامنة عشرة واستخدامهم في الأعمال العدائية على أنه يمثل جريمة في ظل القانون الدولي. ويتمثل حل آخر في إدراج جانب من القانون الدولي الإنساني في البروتوكول, بحيث تكون مسؤولية الكيانات من غير الدول محدودة بحالات النزاع المسلح (كان من الممكن تحقيق ذلك مثلاً عبر صياغة نص مثل " في الحالات التي تشملها المادتان 2 و3 من اتفاقيات جنيف, يُحْظر تجنيد الأشخاص دون الثامنة عشرة من العمر في القوات المسلحة أو مجموعات مسلحة أخرى كما يُحْظر السماح باشتراكهم في الأعمال العدائية " ). وربما أمكننا الدفع في هذا الخصوص بأن المادة 38 تمثل بالفعل إدراجاً جزئياً للقانون الدولي الإنساني وأن موضوع البروتوكول ـ النزاع المسلح ـ كان من شأنه أن يبرر هذا المنهج. غير أن الدول لم تكن مستعدة لاتخاذ هذه الخطوة خلال المفاوضات, وهكذا يظل النص على نهج قانون حقوق الإنسان التقليدي, وهو نظام قانوني أقل ملاءمة من القانون الدولي الإنساني (الم لزم قانونياً أيضاً للكيانات من غير الدول) فيما يتصل بمواجهة المشكلات محل النظر.

وأخيراً فإن سبباً آخر للشك في فعالية المادة 4 يتمثل في أن الالتزام المفروض على الكيانات من غير الدول يختلف عن ذلك المفروض على الدول ويزيد عليه. وربما كان هذا النص مفيداً كأساس للدعوة إزاء المجموعات المسلحة, غير أن هذه المجموعات قد تعتبر أيضاً أن البروتوكول الاختياري ينطوي على " معايير مزدوجة " وأن القوة المعنوية للقاعدة المفروضة عليهم تعاني من ضعف. ومن هنا فإنه من غير المؤكد أن الكيانات من غير الدول سوف تشعر أنها ملتزمة بهذا النص ومن ثم تحترمه. وربما يجدر بنا في هذا الخصوص أن نلحظ أن القانون الإنساني اعتمد دائماً على فرضية الالتزامات المتساوية بالنسبة لكل الأطراف وأن هذه الحجة كثيراً ما تُطْرح عند محاولة حث أطراف النزاع على تنفيذ القانون.

  تعليقات ختامية  

بالنظر إلى الوضع المأساوي للأطفال المتأثرين بالنزاعات المسلحة, وعلى الأخص الحالات البالغة الشيوع التي يتم فيها إجبارهم على الاشتراك في الأعمال العدائية أو السماح لهم بالاشتراك فيها, فإن تطوير بروتوكول إضافي إلى اتفاقية حقوق الطفل يعد مبادرة تستحق الترحيب.

ومن الواضح أن المشروع ليس بالقوة التي كان الكثيرون يطمحون إليها بل إنه في الواقع أضعف من ذلك كثيراً, ويُأْمل أن لجنة حقوق الطفل سوف تعوّض عن بعض نواحي الضعف في النص عن طريق تفسيره على نحو صارم. ومن المشجع في هذا المقام أن اللجنة تتبنى فيما يبدو الرأي القائل بأن اتفاقية حقوق الطفل تسري ككل على الأطفال كافة, بحيث تنطبق على الأطفال المعرضين لخطر التجنيد أو الاشتراك في الأعمال العدائية أو أولئك الذين واجهوا ذلك المصير بالفعل مفاهيم مصلحة الطفل وحقه في الحياة وفي احترام الحياة العائلية.

وعلى الرغم من أوجه الضعف المشار إليها أعلاه فإن البروتوكول الجديد يمثل تقدماً لا شك فيه ويسهم في تعزيز القانون الدولي القائم بالفعل بشأن حماية الأطفال من التجنيد والاشتراك في الأعمال العدائية. وجدير الذكر أن البروتوكول يفرض على الدول واجب اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان لا التطبيق الفعال ل لأحكام التي ناقشناها أعلاه فحسب وإنما أيضاً إنهاء تعبئة الأطفال الجنود وإعادة تأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع. كما ينص البروتوكول أيضاً على المساعدة الدولية لهذا الغرض, وهو الأمر المطلوب في أحيان كثيرة من أجل كفالة التنفيذ الفعال للبروتوكول. فالنزاعات المسلحة كثيراً ما ينتج عنها بالفعل مجتمعات محطمة ربما كان أطفالها المعرضين للخطر عرضة أيضاً لإغراء الانضمام إلى القوات المسلحة أو المجموعات المسلحة كمصدر للدخل والاحترام, وهو مجتمعات لا تملك أن تفعل الكثير من أجل إعادة هؤلاء الأطفال إلى الحياة العادية ما لم يتم توفير مساعدة محددة في هذا المجال.

واستنتاجاً, فإنه يؤمل أن البروتوكول الاختياري الجديد سوف يحظى سريعاً بالتصديق عليه على مستوى العالم وهو ما تحقق تقريباً لاتفاقية حقوق الطفل لعام 1989, كما يؤمل أن البروتوكول هذا سوف يساعد على مواجهة محنة الأطفال الواقعين في شراك الحرب على نحو فعال في المستقبل.

  هوامش  

1. الاستثناء: الصومال والولايات المتحدة الأمريكية

2. البروتوكول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949, المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية, المادة 4 (مقتطفات):

المادة 4 – الضمانات الأساسية

3) يجب توفير الرعاية والمعونة للأطفال بقدر ما يحتاجون إليه, وبصفة خاصة: (...)

(ج) لا يجوز تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة في القوات أو الجماعات المسلحة, ولا يجوز السماح باشتراكهم في الأعمال العدائية (...)

3. أعدت خطة العمل على أساس عملية تشاورية داخل الحركة وخارجها, واعتمدها مجلس المندوبين في عام 1995.

4. الالتزام الثاني هو " اتخاذ التدابير الملموسة من أجل حماية ومساعدة الأطفال من ضحايا النزاعات " . وهناك ستة أهداف منصوص عليها من أجل تنفيذ هذين الالتزامين, ولكل من هذه الأهداف المهام المتصلة به.

 وبالنسبة للالتزام الأول يتعين على الجمعيات الوطنية من بين أمور أخرى أن تقنع حكوماتها بدعم هذه الفكرة دولياً واعتماد تشريعات وطنية ملائمة. كما يُطْلب من اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي لجمعيات الصل يب الأحمر والهلال الأحمر أن تمد الجمعيات الوطنية بالوثائق ذات الصلة من أجل التعريف برأيها على الساحة الدولية, كما يُطْلب منهما المشاركة النشطة في مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المنشأة من أجل صياغة مشروع بروتوكول اختياري لاتفاقية حقوق الطفل. وتتمثل أهداف أخرى في تحديد الأطفال المعرضين لخطر أن يصبحوا جنوداً وتوفير الأنشطة البديلة لهم ورفع وعي المجتمع بضرورة عدم السماح بانضمام الأطفال إلى القوات أو المجموعات المسلحة.

كما أن مكونات الحركة مطلوب منها أيضاً أن تواجه الاحتياجات النفسية الاجتماعية وكذا الاحتياجات البدنية للأطفال. وهناك مجموعتان منفصلتان من الاقتراحات بالنسبة للأطفال الذين يحيون مع أسرهم وأولئك غير المصحوبين بذويهم. وأخيراً تتضمن خطة العمل مطالب تتصل بالدعوة لصالح الأطفال الذين اشتركوا في النزاعات المسلحة بهدف جعل المجتمع ككل والمجتمع المحلي يقبلان عودة هؤلاء الأطفال إلى داخل صفوفهم.

 5. القرار رقم 2ج (د), منشور في المجلة الدولية للصليب الأحمر, العدد 310, يناير/كانون الأول – فبراير/شباط 1996, ص 63. ـ أدرجت الأجزاء ذات الصلة من هذا القرار في الفقرة 9 التمهيدية لمشروع البروتوكول الاختياري.

6. أنظر وثيقة الأمم المتحدة UN Doc. E/CN.4/1998/WG.13/2 (الفقرات 53-105).

7. الفقرة الثانية من المادة 77 من البروتوكول الأول الإضافي:

" يجب على أطراف النزاع اتخاذ كافة التدابير المستطاعة, التي تكفل عدم اشتراك الأطفال الذين لم يبلغوا بعد سن الخامسة عشرة في الأعمال العدائية بصورة مباشرة. وعلى هذه الأطراف, بوجه خاص, أن تمتنع عن تجنيد هؤلاء الصغار في قواتها المسلحة. ويجب على أطراف النزاع في حالة تجنيد هؤلاء ممن بلغوا سن الخامسة عشرة ولم يبلغوا بعد الثامنة عشرة أن تسعى لإعطاء الأولوية لمن هم أكبر سناً " .

 8. الأمثلة مأخوذة من: Y. Sandoz/C.Swinarski/B.Zimmermann (eds), Commentary on the Additional Protocols of 8 June 1977, ICRC/Martinus Nijhoff Publishers, Geneva, 1987, para. 4557 (on Protocol II, Art. 4) 

9. تحوي الصياغة البديلة في المواضع ذات الصلة تعبير " لا يجوز استخدامهم (...) في الاشتراك الفعال في الأعمال العدائية " .

10.Jean S Pictet (ed.), Commentary, Geneva Convent ion relative to the Protection of Civilian Persons in Time of War, ICRC, Geneva, 1958, pp. 284 ff. (ad Art. 50).

11. من أجل استعراض وجيز للحماية المكفولة للأطفال كمثال للتفسير الخاص بحكم أو نص بعينه, أنظر المرجع السابق.

12. تشمل أمثلة على الصكوك الدولية التي تنص على المسؤولية الصريحة للأفراد اتفاقية جنيف لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.



سيرة المؤلف

دانيال هيل عضو بالشعبة القانونية للجنة الدولية للصليب الأحمر