لا يمكن أن تظل احتياجات الصحة النفسية مطلبًا ثانويًا في أوقات النزاع

الكلمة الرئيسية لرئيس اللجنة الدولية: المؤتمر الدولي حول الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي في حالات الأزمات

07 تشرين الأول/أكتوبر 2019
لا يمكن أن تظل احتياجات الصحة النفسية مطلبًا ثانويًا في أوقات النزاع

لطالما كانت خدمات الصحة النفسية تعد مطلبًا ثانويًا في حالات النزاع والعنف والكوارث.

فالإصابات إذا كانت غير مرئية قد تُغفَل بسهولة أو توضع في ذيل الأولويات، غير أن للحروب والكوارث أثر مدمر على الصحة النفسية والسلامة النفسية والاجتماعية يكابده الملايين.

فقد تسفر عن ظهور مشاكل جديدة في الصحة النفسية، أو طفوّ اضطرابات سابقة إلى السطح، ومن الممكن أن تشكّل هذه الآثار تهديدًا لحياة البعض.

في المناطق المتضررة من جراء النزاع، يعاني واحد من بين خمسة أشخاص بعض أشكال الاضطراب النفسي، وهذا العدد يفوق نسبة معاناة عامة سكان العالم من هذه الاضطرابات بثلاثة أضعاف.

وتعطينا هذه الأرقام فكرة عن ثقل هذه القضية، ولكنني أشجعكم في سياق هذا المؤتمر كذلك على التفكر في الأفراد الذين تتحدث عنهم هذه الأرقام، الناس الذين تلتقيهم اللجنة الدولية عادة، ومنهم:

أولئك الذين يعيشون تحت وابل القصف والقنابل الذي لا ينقطع، والنساء والرجال والأطفال الذين يتعرضون للاغتصاب ثم تنبذهم مجتمعاتهم، والعاملون في المجال الإنساني الذين يكونون في مرمى النيران أو يواجهون ضغوط محاولة تلبية احتياجات هائلة بموارد محدودة.

كنت في نيجيريا الشهر الماضي، ورأيت آثار نزاع مستمر منذ 10 سنوات عصف بحياة عشرات آلاف العائلات. أفضى إليّ الآباء عمّا يجيش في صدورهم من ألم يكاد يفطر قلوبهم، بسبب عدم معرفتهم بما حلّ بأبنائهم، منهم من فُقد في أثناء فرار العائلة من الهجمات، ومنهم المُختطَف والمُحتجَز. وإذا لم يحصل هؤلاء الآباء على إجابات شافية ستظل جراحهم تنزف ولا تندمل.

من المهم جدًا أن نصغي إلى تجارب الناس، وأنا أرحب بالمناقشة الجماعية المقبلة التي سنسمع فيها مزيدًا من التجارب التي تمس صلب الموضوع. وعلى الرغم من التقدم الذي أُحرز، فجميعنا يعلم أثر الوصم المجتمعي المتمثل في تكميم الأفواه، ونحن بحاجة إلى تهيئة بيئات مواتية يستطيع فيها الناس حكي قصصهم من دون حرج ومناصرة قضاياهم بأنفسهم.

ليس ثمة شك في أن الظروف التي يجابهها الناس في أوقات الحرب والكوارث تكون قاسية، غير أننا نعلم أيضًا أن التدخل المناسب في الوقت المناسب من شأنه أن يصنع فارقًا بالنسبة للغالبية العظمى من الناس. وهذه التدخلات من الممكن أن تساعد الناس على المشاركة في الحياة المجتمعية والعامة، والعمل وشق طريق نحو الاعتماد على الذات، وهي تحول دون امتداد الصدمات النفسية عبر الأجيال.

إن قضية الصحة النفسية هي قضية عالمية، سواء بالنسبة للبلدان التي تعيش حالة حرب أو تلك التي تنعم بالسلم، وتبذل لها المنظمات حول العالم جهودًا كبيرة. ونحن إذا أحسنّا اغتنام خبرتنا الجماعية الواسعة، فسيكون بوسعنا إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس في أرجاء العالم.

تتميز اللجنة الدولية وغيرها من مكوّنات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بحيازتها سجلًا حافلًا ومتزايدًا لأدلة على الممارسات السليمة، اكتسبناه من عملنا بالقرب من المتضررين.

ونحن ننفذ استجابة واسعة النطاق في حالات الأزمات، تتنوع بين الدعم النفسي والاجتماعي، والدعم النفسي ودعم الصحة النفسية المتخصص، ونرتكز على الحضور المحلي للحركة وعملها الإنساني المنضبط بالمبادئ من أجل الوصول إلى المحتاجين، بمن فيهم الأشخاص المستضعفون لأسباب خاصة في المناطق التي لا تقع تحت سيطرة الحكومات.

نعلم أنه لا يوجد حل واحد يناسب جميع الأحوال؛ إذ يجب أن تكون الاستجابات مخصَّصة وفق ظروف الناس ومواطن قوتهم وقدراتهم؛ فمثلًا، يتطلب الأطفال وكبار السن والناجون من العنف الجنسي أو التعذيب استجابات خاصة. وغالبًا ما تكون هناك حاجة إلى الخدمات الطبية والصحية الطويلة الأجل من أجل ضمان استمرار توفر الرعاية عبر حلقات النزاع، وانعدام الاستقرار، كذلك في أوقات السلم.

ونحن بحاجة إلى قوة العمل المناسبة لدعم هذا النهج. فنحن نعي جيدًا أهمية تكليف أهل الاختصاص بتلبية احتياجات الناس عندما يتعلق الأمر بالصحة البدنية؛ فلا يمكن مثلًا أن نكلف مختصًا في طب العيون بتقديم علاج طبيعي للمرضى، ولا يُعقل أن نُرسل مقدم إسعافات أولية لإجراء عملية جراحية. وبالنسبة إلى الصحة النفسية كذلك، لا بد من الاستعانة بقوة العمل المناسبة.

ويتطلب تقديم خدمات صحة نفسية عالية الجودة متخصصين أكفاء في هذا المجال، بالإضافة إلى مجموعات رعاية صحية محلية ومجتمعية تقدم الدعم المجتمعي على خطوط المواجهة.

ومن المهم جدًا أن نعزز القوة العاملة المحلية، فعلى سبيل المثال تسهم اللجنة الدولية في توفير القوة العاملة عبر تدريب الاختصاصيين النفسيين المحليين وغيرهم من اختصاصيي الصحة النفسية في سورية وأذربيجان وغيرهما.

ولكن لا يزال أمامنا جميعًا الكثير من العمل.

علينا أن نكثف تحركنا المبكر، ولا بد من أن نعالج آفات الوصم والتمييز المتجذرة، ونحن بحاجة إلى الاستثمار على المدى البعيد - سواء من حيث التمويل والتدريب - من أجل دعم أنظمة الاستجابة الوطنية في مجال الصحة وحالات الطوارئ، ونحن بحاجة أيضًا إلى دعم الصحة النفسية والسلامة النفسية والاجتماعية للمتطوعين والموظفين الذي يستجيبون للاحتياجات الإنسانية.

سيناقش المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، الذي يُعقد في كانون الأول/ديسمبر المقبل، قرارًا بشأن الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، من أجل ضمان إدماج هذا الدعم المنقذ للأرواح في جميع الاستجابات الإنسانية.

نحن نناشد الدول أن تقف وراء هذا القرار، وأطلب إليكم الانضمام إلينا عبر قطع تعهدات تتفق مع هذه الدعوات إلى العمل.

هذه لحظة التحرك العاجل: الناس الذين يعيشون في أزمات لا يُطيقون الانتظار أكثر من هذا، وأنا أحثكم على البناء على هذ الزخم، بقطع تعهدات قوية، وإبرام شراكات مع الآخرين حتى يحقق مجموع هذه الجهود ثمرة أكبر للمحتاجين.

كلمة رئيس اللجنة الدولية السيد «بيتر ماورير» أمام المؤتمر الدولي حول الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي في حالات الأزمات، بتاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بأمستردام.