التحديات المعاصرة أمام القانون الدولي الإنساني – الاحتلال

11 حزيران/يونيو 2012

يكون هناك احتلال، بموجب القانون الدولي، حين تمارس دولة ما سيطرة فعلية غير مقبول بها على أراضٍ لا تملك حق السيادة عليها. وتعرِّف المادة 42 من قواعد لاهاي لعام 1907 الاحتلال على النحو التالي: "تعتبر الأرض محتلة عندما توضع عملياً تحت سيطرة الجيش المعادي. ويشمل الاحتلال فقط الأراضي التي تم فيها تأسيس تلك السيطرة وأمكن مزاولتها".

وينظم قانون الاحتلال، كفرع من القانون الدولي الإنساني، الاحتلال الجزئي أو الكلي للأراضي من جانب جيش معادٍ. ويمكن الرجوع إلى الأحكام التي تضع الإطار القانوني لتنظيم الاحتلال في قواعد لاهاي لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.

لا تكتسب القوة المحتلة حق السيادة على الأراضي المحتلة، بموجب قانون الاحتلال، وهي مطالبة باحترام القوانين والمؤسسات القائمة إلى أقصى درجة ممكنة. ويُفترض، في هذا الصدد، أن الاحتلال مؤقت وأن القوة المحتلة ستحافظ على الوضع السابق للاحتلال في الأراضي المحتلة.

ويسعى قانون الاحتلال، بصورة عامة، إلى إرساء توازن بين الضرورات الأمنية للقوة المحتلة من جهة، ومصالح القوة المهزومة والسكان المحليين من جهة أخرى.

ويهدف أيضا إلى ضمان الحماية والرعاية للمدنيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة. وتشمل مسؤوليات السلطة المحتلة، ضمن أمور أخرى، الالتزام بضمان المعاملة الإنسانية للسكان المحليين وتلبية احتياجاتهم، واحترام الممتلكات الخاصة، وإدارة الممتلكات العامة، وعمل المؤسسات التعليمية، وضمان وجود وعمل الخدمات الطبية، والسماح بتنفيذ عمليات الإغاثة علاوة على السماح للمنظمات الإنسانية غير المتحيزة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتنفيذ أنشطتها. وفي المقابل ومن أجل الاضطلاع بتلك المسؤوليات المهمة وفي الوقت ذاته ضمان أمنها، تُمنح القوة المحتلة حقوقًا وسلطات مهمة، قد تأخذ أيضًا شكل تدابير مقيدة على السكان المحليين متى استدعت الضرورة ذلك.

مشروع اللجنة الدولية بشأن الاحتلال وغيره من أشكال إدارة الأراضي الأجنبية:

تميزت السنوات الأخيرة بزيادة في التدخلات العسكرية خارج حدود أراضي الدول. وبجانب استمرار أشكال الاحتلال الأكثر تقليدية، أدت بعض هذه التدخلات إلى ظهور أشكال جديدة من الوجود العسكري الأجنبي في أراضي دولة ما، على أساس توافقي في بعض الأحيان وإن كان غير ذلك في أحيان كثيرة. وقد أدت هذه الأشكال الجديدة من الوجود العسكري، بدرجة ما، إلى إعادة تركيز الاهتمام على قانون الاحتلال.

وقد أثار جزء من المناقشة القانونية حول أشكال الاحتلال الحديثة التفكير في ما يُزعم من عدم كفاية قانون الاحتلال للتعامل مع حالات من هذا النوع. ويرى بعض الكتَّاب، بشكل خاص، أن التركيز على الحفاظ على الوضع السابق للاحتلال والذي يستبعد التغييرات الواسعة في الهياكل القانونية والسياسية والمؤسسية والاقتصادية في الأراضي المحتلة أمر في غاية الجمود. وهناك من ادعى في هذا الصدد أن تغيير الحكومات الاستبدادية أو إصلاح مجتمع في حالة انهيار كامل عن طريق الاحتلال هو أمر يصب في مصلحة المجتمع الدولي ويجب ترخيصه من جانب قانون الاحتلال.  وعلاوة على ذلك، تم التأكيد على أن قانون الاحتلال القائم لا يضع في الاعتبار بشكل كافٍ تطور قانون حقوق الإنسان وظهور مبدأ تقرير المصير. وقد أبرزت أشكال الاحتلال الحديثة أيضًا مدى صعوبة تحديد توقيت بداية ونهاية احتلال ما بالإضافة إلى تحديد الإطار القانوني-على وجه اليقين- الذي يحكم استخدام القوة في الأراضي المحتلة. وأخيرًا، أثارت إدارات الأمم المتحدة بأراضي الدول مسألة ما إذا كان قانون الاحتلال متصلاً بهذه الحالات.

أخذت التحديات القانونية التي أثارتها الأشكال المعاصرة من الاحتلال مكانًا محوريًا في المشروع الذي تنفذه اللجنة الدولية بشأن " الاحتلال وغيره من أشكال إدارة الأراضي الأجنبية". ويتمثل الغرض من هذا المشروع، الذي بدأ عام 2007، في تحليل ما إذا كانت قواعد قانون الاحتلال كافية، وإلى أي مدى، للتعامل مع التحديات القانونية الناشئة في أشكال الاحتلال المعاصرة، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تعزيزها أو توضيحها أو تطويرها. وفي هذا الصدد، نُظمت ثلاثة اجتماعات غير رسمية تضم خبراء من الدول والمنظمات الدولية والدوائر الأكاديمية ومجتمع المنظمات غير الحكومية بهدف دراسة القضايا القانونية بمزيد من التفصيل.

ونتيجة لاجتماعات الخبراء، أصدرت اللجنة الدولية في حزيران/ يونيو 2012 "تقريرًا بشأن الاحتلال وغيره من أشكال إدارة الأراضي الأجنبية". ويهدف التقرير إلى تقديم سجل واقعي للنقاط الرئيسية التي نوقشت أثناء الاجتماعات الثلاثة للخبراء. ولا يعكس التقرير الآراء الخاصة باللجنة الدولية ولكن يقدم نظرة عامة عن مجموعة الآراء القانونية الحالية بشأن القضايا المثارة. وترى اللجنة الدولية أن التقرير، الذي هو الحصيلة  النهائية لمشروعها، سيثري بشكل مفيد مناقشات قانونية أخرى حول الحاجة إلى توضيح بعض من أهم أحكام قانون الاحتلال.